يتقاسمن الخبز والسهاد والألم
في رباط «الولايا».. لا أحد يبتهج
حسين الحجاجي (جدة) ، تصوير: سعيد الشهري
غرف صامتة.. وانتظار.. وانتظار بلا هوية.. أحاديث مبتورة بالوجع.. وعيون ملّت البكاء.. ومن زمن غابر نسي بكاء تلك العيون.. كيف هي الدموع.. وجوه شاردة.. هشمها انكسار وعزلة.. وغياب يأسر المساحات الضئيلة من الفرح.. أو الابتهاج.. هنا ما مر «عرس» وما جاء في يوم ما «احتفال».. هل هي الساعات الأخيرة؟!
هكذا تحكي خطوات العابرين من أمام هذا الدار.. وهكذا يعلن بكل جرأة ذلك الضجيج حول المكان.
اما «المنطفئون» في تلك الغرف «المعتمة» لا زالوا يتوسمون في «القادم الغريب».. أيا كان هذا القادم.. يتوسمون بعضا من أنفاسهم وشيئا ولو كان ضئيلا من نبض احساسهم.
لا أحد يسأل؟!
ومن يسأل بالرغم من «شح عطائه» يفرض برهبة ووعيد شروطه المستفزة.
وكأن «غرف تلك الدار» متعطشة لذلك الاستفزاز.
أكثر من «عشرين امرأة» يقطنّ بلا أمل وبلا حظ يتقاسمن خبزا وماء وتعبا.
أكثر من «عشرين امرأة» يخضعن لشروط «جمعية» لا تقدم «عطاءها البخيل» الا لأربع منهن.
عطاء يأتي في زمن ليغيب أزمانا.. أغراض احصتها احداهن بأصابع يدها اليمنى فقط..
هذا ما يأتي.. ويتهددونا الا نحدث الصحافة ولا ان تصورنا الصحافة..
لم نعد نكترث.. لان ما يقدم لنا ليس الا عطاء محدودا.. يعطى لنا بـ«القطارة».
فخزان الماء والذي مضت عليه سنوات طويلة لم يحرك صياحنا من اجل تنظيفه.
«العفن يسكن خزان المياه» ولا أمل ان تنظفه الجمعية الخيرية او غيرها..
- عفواً اخيراً لزمن الصمت!!
وفاتورة الكهرباء.. من يسددها..
نحن «ولايا» لا صلة لنا بقريب او حبيب.. نختبئ في غرفنا ونتقوقع على آلامنا..
هذه سيدة كانت تأمل «علاجاً» من أتى لها بالعلاج.. لا أحد.
وهذه سيدة تئن الليل والنهار.. من سأل عنها.. لا أحد.
وهذه اخرى.. لا تحرك يديها.. وتحتاج لمن يطعمها.. من يعد طعامها ويحتمل اطعامها.. لا احد.
وهذه يغتالها «خراف» السن المتقدمة.. من يتولاها.. لا أحد..؟
أتريد ان اعدد لك «جراح الدار» وأوجاع الدار.. ويأس المكان.. لن تحتمل يا هذا؟ واخاف ان ترحل يا هذا بعمى المكان؟
«رابية احمد- 70 عاماً» قالت من خلف ستار غرفتها بعدما رفضت التصوير حتى لتلك الستارة خوفاً من تهديد الجمعية.. تلك «الخيرية» قالت: ثلاثون عاماً ما غادرت غرفتي.. اعيش عتمة فوقها عتمة.
عتمة الغرفة وعتمة عيني التي تغشاها «مياه زرقاء» تحتاج لطبيب الوصول اليه مستحيل واعيش آلام العظام ومرض السكر.. انام الليل بسهر الانين.. ولا تغمض عيناي حتى في النهار.
سابقاً يا ولدي كنت اعمل «خادمة» في العديد من بيوت اناس بعضهم مشهور.. وحالياً بت عاجزة حتى عن الاعتناء بنفسي.
لا ولد ولا قريب ولا حتى رفيقة لي اسأل عنها وتسأل عني.... انني اموت بلا حزن.. وأذوب دونما يبكيني احد.
وتذرف «آمنة عبدو- 60 عاماً» دموعها تجاوباً لتنسى في تلك اللحظات شيئاً من آلامها نسيت «وجعها» وعشرين عاماً من هذا الأسر القسري في هذا «الرباط».. هنا عشرون امرأة يا ابني لا يعتني بهن سوى الله.
كيف نعيش: لن احدثك ولكن لعل هذه الغرف قد حدثتك بكل التفاصيل.
و«عتيقة محمد» تحاول ان تغرس بعض الابتسامة في رياض «الرباط» المجدبة.
حاولت ان تغيب خمسة وثلاثين عاماً من الوحدة والتفاتة شحيحة.. وفاتورة كهرباء.. لا تدري مثل غيرها من نسوة هذا «الرباط» لا تدري عتيقة من اين تسددها.. هذا رباط يا سادة.. وسكانه نساء عاجزات سناً ومعيشة عن تدبير امور انفسهن فكيف يلح عليهن بتسديد فاتورة غرفة لا مصنع.
يا سادة الموضوع ربما كان مروحة او مكيفاً ربما.. وربما ثلاجة صغيرة.. وغالباً لا هذه ولا تلك فيما عدا «لمبة صفراء».
يا سادة.. احتياجات محدودة.. ومطالب حياة كريمة بسيطة.. غرف.. قبور.. وخزان بلا ماء.. وماء اذا «جاء» تكفن «بالعفن».
وأمراض لا تستطيع ان تأتي بالطبيب فهل من الصعب ان يأتي اليها الطبيب ولو متبرعاً.. ولوازم معيشة غذاؤها قليل وكساؤها أقل.. اعجزت الأيادي البيضاء ان تحمل بعض الاحتفال وبعض الفرح لهذا المكان.
وماذا بعد؟!
الزائرون قليل.. والعابرون من امام المكان لا صلة لهم ولو بالتفاتة..!
يا سادة.. افتحوا «نواياكم واياديكم الخضراء» واحتضنوا «رباط الولايا» بأنفسكم.. وتجنبوا في احتضان «الولايا».. كل «وسيط»!!