من الأشياء التي تلفت النظر في مدينة جدة هذه الجهود المتنامية لتمديد خطوط الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار. لا أعلم على وجه التحديد من هي الجهة المسؤولة عن هذه الجهود، هل هي وزارة المياه، أم أمانة محافظة جدة، أم مجلس المنطقة، أم إحدى شركات المقاولات الكبرى، أم جميع تلك الجهات بالشراكة. لها جميعاً الشكر.. ولكن!
من قال إنه كان يجب بالضرورة أن تفتح معظم شوارع جدة الرئيسية والجانبية للحفريات في وقت واحد لتمديد هذه الخطوط؟ ومن قال إنه يجب أن تحوّل أغلب شوارع وطرقات جدة إلى ورشة عمل مزعجة في وقت واحد؟ هل بعد أن أخذتنا غفوة طويلة تغاضينا فيها عن بناء خطوط الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار ( وباقي مصارين المدينة الداخلية) إذ بنا نصحو من غفوتنا ونندفع إلى حفر غالبية الشوارع والطرقات لنمد هذه الخطوط على عجالة دون مراعاة لحياة المواطنين اليومية وراحتهم؟ من قال إنه على المواطن أن يتحمل أي مشاكل وإزعاجات تُهال عليه هكذا دون أن يحق له التبرم أو التضجر من هذا الإزعاج الذي يحاصره حتى باب بيته ويعرضه وسيارته للخطر؟
نعم نريد بناء خطوط الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار والكهرباء والمياه، ونقدر الجهد المبذول، ولكن دون

«غير» طبيعي تحويل المدينة إلى ورشة عمل متنافرة متناثرة ونطلب الصبر على «جدة غير»

أن تتحول هذه الجهود إلى كوابيس مزعجة بسبب سوء التخطيط أو قلة التنسيق.
فإلى جانب التكدس والاختناقات المرورية في طرقات جدة الرئيسية، وإلى جانب القيادة الرعناء لكثير من السائقين المتهورين، وإلى جانب جهل أكثر سائقي السيارات بأنظمة المرور أو لامبالاتهم وعدم احترام حقوق الآخرين على الطرقات، وإلى جانب المطبات الاصطناعية والحفر وتدهور نسبة عالية جداً من شوارع وطرقات جدة بسبب سوء السفلتة والرصف، وإلى جانب الكتل الخرسانية الهائلة التي تحيط بالمجمعات السكنية لأسباب أمنية وتضيق مساحة الشارع وتخلق اختناقات مرورية، إلى جانب ذلك كله تضيف بعض الجهات المختصة حفريات تفتح هنا وهناك في معظم طرقات مدينتنا العتيقة، مثل جسد المريض الذي فُتح في أكثر من موقع وتُركت أحشاؤه خارجة عن جسده.
لسنا أول من يبني شبكات صرف صحي أو يعيد تحديثها أو صيانتها، فهذا يحدث في جميع مدن العالم. ولكن الذي يجب ألا يحدث هو تحويل معظم أجزاء المدينة إلى حفريات وورشة عمل في نفس اللحظة. بل المفروض أن يتم تقسيم المدينة إلى أجزاء أو قطاعات متصلة ومترابطة ومدروسة بعناية هندسية فائقة، بحيث لاينتقل العمل الميداني إلى أي قطاع إلا بعد الانتهاء من القطاع المجاور تماماً والتأكد من ربطه مع القطاع الجديد. وبالطبع لابد من مراعاة سيولة سير الأعمال وسهولة جريانها وانتظامها، مع أقل قدر من الإزعاج ومع إنجاز العمل في كل قطاع حسب جدول زمني معقول.
كما أننا نفتقد إلى العلامات الإرشادية في منطقة العمل، التي تفيد عن وجود حفريات أو مطبات اصطناعية أو تحويلات مرورية يجب اتباعها، مع توضيح طبيعة المشروع واسم الجهة المسؤولة عنه والشركة المنفذة، وموعد بدء المشروع وموعد الانتهاء منه. كذلك كان يجب وضع لوحة اعتذار للسكان على ذلك الإزعاج المؤقت، وأيضاً أرقام التليفونات التي يجب الاتصال بها في حالة الطوارئ أو الحوادث الناجمة عن هذه الحفريات.
أما أن نحفر المدينة ونحولها إلى ورش عمل متنافرة ومتناثرة، ثم نطلب من السكان أن يصبروا ويتعايشوا مع هذا الإزعاج إلى سنين قادمة، فهو أمر غير طبيعي وغير مقبول.
لانستطيع بالطبع أن نلوم أية جهة بعينها على هذه الظاهرة «الجداوية»، فقد جاؤوا ووجدوا وضعاً لابد من إصلاحه فلهم الشكر على أي حال. ولكن كان لابد من تنسيق مجريات وهندسة العمل أولاً، ومراعاة راحة السكان قبل كل شيء.
لاأدري إلى متى ستظل هذه المدينة حقل تجارب، وقد تأكد لي الآن أن أسوأ ماحدث لها هو إطلاق ذلك الشعار الساذج «جـدة غـير» الذي أصبح محل نكتة ولم يأت على خير.