الزيادة في بعض السلع 50 %
ارتفاع الأسعار..جشع بدون رقابة
وليد العمير - ياسمين الحمد (جدة), تصوير: مديني عسيري
توقفت الكلمات في حلق ابي عبدالله الموظف في شركة بالقطاع الخاص والمتزوج من امرأتين حينما كان يتسوق بـ «السوبر ماركت» وهاله ان اسعار بعض السلع الغذائية ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه في السابق وفي تلك اللحظة راجع حساباته واكتفى بشراء اغراض قليلة نظرا لأن ميزانيته لاتسمح بشراء كل ماتحتاجه اسرته. ولا يختلف حال وداد المعلمة الارملة عن القصة السابقة فهي تعول ثلاثة اطفال وكانت تنفق من قبل حوالي (1200) ريال شهريا لشراء السلع الغذائية وبعد ارتفاع الاسعار زاد حجم انفاقها على المواد التموينية ووصل الى (2000) ريال في الشهر. واذا نظرنا الى الاسعار بصفة عامة نجد مثلا ان سعر كيس الارز من ماركة معينة وصل الى 127 ريالا فيما كان سعره قبل حوالي شهر 97 ريالا فـ «القضية» التي تنطلق من مستودعاتها باحثة عن اجابات «كاملة الدسم» تتمثل في اسباب هذا الارتفاع؟
اجابة الاسئلة الملحة عن هذا الارتفاع نجد جزءا منها في تقرير سابق لوزارة التجارة والصناعة والتي اكدت ان ارتفاع بعض اسعار السلع له مايبرره ومنها الفروقات في اسعار صرف العملات وزيادة تكلفة الصناعة في بلد المنشأ وارتفاع اسعار اجور النقل وزيادة الطلب عالميا على بعض السلع ولكن هل كل هذه المبررات كافية لرفع الاسعار وفيما اذا كان اعلان الوزارة وضع «مسوغات» لبعض التجار لزيادة اسعار السلع فما دور الوزارة في مثل هذه الحالات.
تقرير ارتفاع الاسعار
وكان التقرير ربع السنوي للوزارة اشار الى ارتفاع بعض السلع الغذائية في الربع الاول من العام الجاري بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي حين ارتفعت اسعار الارز الهندي بنسبة 50% والزيوت النباتية بنسبة 12% واللحوم بنسبة 28،8% للكيلو الواحد والشعير بنسبة 8،3% ولا يقف ارتفاع الاسعار عند السلع الغذائية فحسب بل شمل العديد من السلع كالادوية ومواد البناء وقطع الغيار وغيرها.
تضرر اصحاب الدخل المحدود
وفي الوقت الذي يفاجأ فيه المستهلكون بارتفاع الاسعار بنسب متفاوتة فإن عددا من خبراء الاقتصاد والمحللين يؤكدون ان التضخم وارتفاع الاسعار يظهر اثره بشكل واضح على ذوي الدخل المحدود حيث ان ارتفاع الاسعار يعني تحميل زيادة التكاليف على المستهلك النهائي وبالتالي تؤثر في ميزانية الاسر مما يجعلهم يلجأون الى الاقتراض او الى حلول اخرى مثل البحث عن عمل اضافي.
اسباب التضخم
وارجع الاقتصاديون اسباب التضخم الى عاملين اساسيين هما زيادة التدفقات النقدية نتيجة لارتفاع اسعار النفط وارتباط الريال بالدولار.
غول التضخم العالمي
وقال خالد الحارثي الخبير في الاستشارات المالية ان الارتفاع في اسعار بعض السلع التي اعلنت الوزارة عن مبررات ارتفاعها ربما يكون مقبولا ضمنا من وجهة النظر الاقتصادية نتيجة للتضخم الذي يتحكم في كافة المنتجات العالمية ومن ضمنها السلع الواردة للمملكة.
واضاف ان التضخم قد يكون عنصرا ايجابيا اذا استطعنا ان نحافظ عليه في نطاق معقول ولم يمس شريحة محدودي الدخل.
دعم السلع الضرورية
واستطرد انه عادة في الدول النامية يتم تفادي هذا الامر بدعم السلع الضرورية مثل الخبز الذي يدعم من قبل الدولة لحمايته من الدخول الى حمى الارتفاعات.
واستطرد انه بانضمام المملكة الى منظمة التجارة العالمية فإن احد الشروط لقبول عضويتها كان رفع الدعم عن الكثير من المنتجات الزراعية ورفع الدعم يعني ارتفاع سعر التكلفة وسعر البيع.
التعامل العقلاني
وتابع ان وزارة التجارة والصناعة من مهامها الاشراف ومراقبة الاسعار مشيرا الى ان الوزارة تعاملت بعقلانية مع هذا الارتفاع لانه لا وسيلة لدفع هذا التضخم والحل هو ان يكون هناك تناغم بين التضخم وسعر الفائدة واضاف ان على الوزارة مراعاة عدم رفع اسعار السلع الضرورية حتى لا يضار المستهلك من ذلك.
ضيف ثقيل
ويرى جمال هيكل المحاضر بكلية ادارة الاعمال بجدة ان «ارتفاع الاسعار» ضيف ثقيل على اي اقتصاد مستدركا ان هذا الضيف الثقيل سبق وان زار الاقتصاد السعودي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وكان التضخم حادا للحد البعيد الامر الذي تبدو معه معدلات التضخم الحالية في منتهى التهذيب.
واضاف انه في العام 1974 بلغ معدل التضخم 21،4% ليصل الى ذروته في العام 1975 بمعدل 34،6% قبل ان تستقر الاسعار في بداية الثمانينيات بمعدل 5%، وتابع ان ما يجعل معدلات التضخم هذه الايام اكثر تأثيرا هو ان الاقتصاد السعودي شهد استقراراً في الاسعار خلال السنوات الماضية بل وانخفاضا في بعض السنوات وبالتحديد في الفترة من عام 1998-2002 حيث بلغ الانخفاض لنفس الفترة (-3،4) مما اضاف عنصر المفاجأة على «الزيارة» الثانية لهذا الضيف الثقيل، وجعل لفح الاسعار اشد قسوة.
عدة عوامل
واستطرد ان هناك عدة عوامل تكاثفت لتغذية نيران الاسعار منها زيادة العرض النقدي بصورة متسارعة زاد من حدتها الانفاق الحكومي اضافة الى زيادة الاجور والتضخم المستورد حيث ان ارتفاع اسعار البترول ينعكس على الاقتصاديات البترولية مرة اخرى في صورة ارتفاع في فاتورة الاستيراد.
واضاف المستهلك قد يتساءل عن الحلول الجذرية لارتفاع الاسعار ولكن نجد ان التدخل المباشر لكبح جماح الاسعار يعتبر في حد ذاته خروجا عن التوجه الاقتصادي الاستراتيجي للمملكة بتبني آليات الاقتصاد الحر وتقويض لاحد اهم واقدم الاقتصاديات الحرة في المنطقة اضف الى ذلك انها مغامرة اقتصادية خطرة فقد كان لتدخل الدولة في مصر بسوق العقار ومحاولتها فرض قيمة ايجارية تقل عن السعر المحدد عن طريق آليات السوق اثر بالغ في السوق العقارية واسهم بشكل كبير في خلق ازمة الاسكان ولم تستطع القوانين المحددة للاسعار ان تمنع آليات السوق من العمل والوصول الى السعر الحقيقي مرة اخرى.
واضاف ان دور الحكومة الحقيقي يتمثل في توجيه آليات السوق دون قيادته وقد تبدو السياسات النقدية المالية الانكماشية هي الوسيلة المناسبة لمواجهة هذه الموجة التضخمية الجديدة، ولكن الحقيقة ان السياسة النقدية والمالية الانكماشية لا تتناسب مع خطط التنمية الطموحة التي تتبناها الدولة وفي ظل معدلات عالية من البطالة، ان الدور الحقيقي للدولة في مواجهة التضخم هو العمل على دعم آليات المنافسة في السوق حيث ان المنافسة هي لب الاقتصاد الحر فمن خلال المنافسة نستطيع رفع كفاءة الاقتصاد وبالتالي تخفيض الاسعار الامر الذي ينعكس في النهاية على المستهلك، مازال المناخ الاستثماري في المملكة في حاجة الى تذليل للعديد من العقبات خاصة تلك الخاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فتشير احصائيات البنك الدولي الى ان متوسط الفترة اللازمة لانشاء شركة بالمملكة يبلغ 39 يوما بينما يبلغ نفس المتوسط لدول منظمة التعاون والتنمية 6،2 أيام لعام 2006 فبالاضافة الى العوائق البيرقراطية فإن احجام المؤسسات الائتمانية عن تمويل تلك المشروعات يؤدي في النهاية الى تركز السوق في يد مجموعة صغيرة من الشركات الضخمة تتحكم في مقدرات السوق، وفي النهاية من يدفع الفاتورة انه المستهلك.
مبررات ضعيفة
ويرى الدكتور حبيب الله تركستاني استاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز ان مبررات وزارة التجارة والصناعة في مسألة ارتفاع الاسعار غير كافية وان كان البعض منها مشروعا الا ان الكثير من المسببات التي ذكرت لايتقبلها المستهلك فهناك الكثير من السلع ارتفعت بشكل مبالغ فيه اضافة الى ان هناك سلعا زادت اسعارها في وقت كان يفترض ان تنخفض.
وتابع ان تقرير الوزارة بشأن الاسعار تطرق لبعض السلع الاساسية ولكن السؤال اين باقي المواد التي ارتفعت دون اي مسببات ولماذا لم يتطرق لها التقرير الخاص بالوزارة.
دور التجار
وتابع انه لايمكن اغفال دور ومسؤولية التجار تجاه وطنهم وعدم استغلال الاوضاع الاقتصادية في العالم لرفع الاسعار وتحقيق مكاسب شخصية على حساب المستهلك.
واضاف بأن دور وزارة التجارة والصناعة ضعيف في مسألة الرقابة على الاسعار وحماية المستهلك لأن هذا الدور لازال في حاجة الى الكثير من الجهد والعمل في سبيل السيطرة على التجاوزات.
ومضى قائلا: ان على الوزارة تشجيع الوسائل الاعلامية في سبيل تنشيط الحملات التوعوية التي تستهدف التاجر والمستهلك فتوعية التجار لابد ان تتضمن ان رفع الاسعار يضر بذوي الدخل المنخفض والزيادة في الاسعار تنعكس سلبا على الاقتصاد الكلي وبالتالي هو ايضا يتضرر.
واضاف ان التضخم هو زيادة الطلب على السلع والخدمات.
وفي سياق السيطرة على التضخم سبق وان اكد حمد سعود السياري محافظ مؤسسة النقد العربي ان معدل التضخم في المملكة تحت السيطرة عند مستوى 3% مشيرا الى ان كافة المؤشرات تؤكد ان التضخم بدأ يستقر. واضاف ان وضع برامج للانفاق لا يعني بالضرورة خفضه بل تنسيق مجمل الانفاق لتجنب الضغوط التضخمية.