بداية أجد لزاما الاعتذار عن خطأ غيري، لكل من لاحظ منكم أو تفضل بالاستفسارعن تناقض في المعنى أو اختلال في السياق تعرض لهما مقالي الأسبوعين الماضيين، وعندما احتججت على هذه التدخلات التحريرية غير المبررة كان الجواب إنه الحيز والمساحة المتاحة، ثم اتضح أنها، في لجة عالم الانترنت وانتشار المعلومة، مجرد اجتهاد فردي ولذة التمسك بالقلم الأحمر وممارسة الدور العتيد لمراقب الكتب في المطارات، فكما أن لدينا حراساً للفضيلة ظهر أن لدينا أيضا حراساً للثقافة وحراساً على الرأي. اجتهاد شخصي لا علاقة له بعكاظ الصحيفة الكيان التي كنت وما زلت احترم دورها التنويري. وللإنصاف أقول إن معظم مشرفي صفحات الرأي في صحفنا يعتبرون من كبار مثقفي البلد، ولا شك أن لهم رأيا في كل ما يصلهم من أي كاتب، فإن حكم رأيه المحرر لن ينشر أي رأي مخالف، بل وجهات نظر كتاب تؤيد رأيه، وستغدو صحيفته مرآة يرى فيها ذاته، والمفترض أن تكون مرآة عاكسة لآراء المجتمع، ليخرج القارئ في نهاية المطاف برأيه الخاص دون ممارسة أستاذية أوسلطة أبوية تدعي معرفة الصالح له. وإذا كان على استخدام ورق سلوفان لتنعيم ما أقول ولتغليف كلماتي، فقد أشارك الزميل عبده خال فتح بقالة أو «بسطة» لبيع وشراء أوراق السلوفان الرخيصة مع أنها تكسب ذهبا.
تلك زفرة كاتب أشركتكم فيها لدفع تهمة التناقض عن نفسي وتهمة الإقصاء أو الشللية عن عكاظ الصحيفة التي ما زلت أقدر واحترم فيها نشر الرأي والنقد اللذين ما فتئ خادم الحرمين الشريفين في التأكيد عليهما وطالب كبار

رغم انكشاف أهداف المشروع الأمريكي هناك من يعتقد أنها ستجلب الديموقراطية والقمح والشيكولاته للعالم العربي

مسؤوليه بضرورة السماع والاستفادة والرد، فكيف يأتي صغار المسؤولين بعمل نقيض..عجبي. دعوني الآن أدلف إلى ما أود الحديث عنه اليوم ويكفي هدرا للحبر، وهو عن اندهاشي من استمرار وجود مدافعين عن الوجود الأمريكي في العراق، بل حتى عن كامل وجودها في العالم العربي، إذ برغم انكشاف أهداف المشروع الأمريكي مازال هنا من يعتقد أن أمريكا ستجلب الديموقراطية والإصلاح والرفاه والقمح والسكر والشيكولاته للعالم العربي، هؤلاء هم الاعتذاريون العرب وهذه هي أحلامهم الوردية، وعدا أنها مراهقة سياسية، هي حقيقة تسطيح للفهم وإسقاط للمنطق. دهشت لأنه برغم سقوط كل أوراق التوت الأمريكي، ما زال هنا من يقف عاريا ليخطب فينا أو يكتب أو ينقل عبر الانترنت، أن أمريكا صادقة النوايا، وأن مشروعها غير قابل للسقوط بل سيتم فرضه وإن بالقوة على المنطقة لأنها ترى، بنظرة أبوية حانية، أنه في صالح المنطقة.
مدهش أن يجادل المرء هزيمة أمريكا في العراق بما تعنيه من سقوط لمشروعها الأساس، برغم اعتراف ساسة أمريكا بالهزيمة وسقوط المشروع ككل، هاري ريد رئيس الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي قال إنها حرب خاسرة، وهو ألطف وصف للهزيمة، ريتشارد هاس من أشهر المحللين السياسيين كتب في «الفورين أفيرز»، وهي من أكثر المجلات احتراما في أمريكا عن «انحسار العصر الأمريكي في الشرق الأوسط» صحف أمريكا الرئيسة وكبار معلقيها يقولون ذلك وكبار مثقفيها يرفضون المشروع الأمريكي الاستعماري الجديد. أمريكا مشغولة بالتحضير لما بعد حقبة بوش وما بعد فكرة الهيمنة( تقرير مؤسسة راند عن بناء شبكات مسلمة معتدلة) وبعضنا مازال يتابع قناة فوكس الإخبارية الأمريكية ويعتبرها مصدر معلوماته.
مع ذلك هناك من حور السؤال عن انهزام المشروع الأمريكي في المنطقة إلى الحديث عن قوة أمريكا العسكرية وأنه ما زال بمقدورها تفتيت أي جيش يقف أمامها. ليكن ذلك كذلك في عالم الغاب الذي تحاول فرضه أمريكا، إلا أنها تظل نظرة طفولية إلى معنى القوة في عالم السياسة والعلاقات الدولية، فهاهو الجيش الذي ادعى قدرة الحرب على جبهتين، يسقط أفراده بالعشرات كل يوم أمام مقاومة، مهما قيل في شأنها، فهي بدائية في أدواتها مقارنة بالتقنية ووسائل الفتك الأمريكية. هذه الوسائل البدائية أجبرت أعتى قوة على الرضوخ سواء في العراق أو في فلسطين، وهذه رسالة مشفرة للسادة الاعتذاريين العرب، فليتهم يخجلون.
تذكرون من كان يسخر من تأثير صواريخ المقاومة الفلسطينية، اليوم تقايض أمريكا، بخطة هزيلة، تأثير هذه الصواريخ على إسرائيل. صواريخ بدائية سبقتها حجارة، هل أقل من الحجر سلاحا أمام آلة حرب فتاكة؟ إنها كرامة مقاومة الظلم، شهامة من فضل أن لا يموت جبانا عندما لم يكن من الموت بد، فوهبت له الحياة. ولما بدأت بشائر المقاومة تظهر، وجد من يريد إعادة عقارب الساعة ولوي عنق الحقائق وممن هو بعيد عن ساحة المعارك، وجد ليذكرنا مجددا بقوة أمريكا العسكرية. ليست هذه دعوة لإلغاء الرأي الآخر، فلكل رأيه كما قلت، إلا أن تبرير المشروع الأمريكي للهيمنة على المنطقة، أو تبرير احتلال شعب آمن ليس مسألة فيها نظر، هي مسألة فيها إن. ليس التبرير وحده جريمة هنا، بل السكوت عن الحق أيضا، فهل بيننا شيطان أخرس؟