رؤية سياسية
في العراق يتجدد كابوس فيتنام
د. طلال صالح بنان
الكل في واشنطن قلق بشأن مستقبل الوجود العسكري في العراق. الرئيس الأمريكي، مؤخراً، أعاد إلى الكونجرس مشروع قانون يربط تمويل الوجود العسكري الأمريكي في العراق بوضع جدول زمني لانسحاب تلك القوات، في نهاية 2008. المشكلة، هذه الأيام، في تمويل الزيادة في ميزانية الوجود العسكري في العراق، حتى نهاية السنة المالية الحالية، بنهاية سبتمبر 2007، ومحاولة الكونجرس ربطها بإحداث تحسن ملحوظ في الحالة الأمنية بالعراق، حتى تبدأ خطة الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، كما يطالب النواب والشيوخ في الكونجرس، بحلول نهاية العام المقبل.
بعدما فشل مشروع الكونجرس بربط الإنفاق على القوات الأمريكية في العراق بجدول زمني لانسحاب تلك القوات، الكونجرس بدأ يفكر في صياغة مشروع قانون جديد لتمويل الحملة العسكرية في العراق، لتغطية النفقات الإضافية التي طلبتها الإدارة الأمريكية في خطة زيادة القوات، حتى سبتمبر القادم، مع مراجعة مدى التقدم الذي تحرزه تلك القوات في العراق، بحلول شهر يوليو القادم، لتقرر ما إذا كان الكونجرس يسمح بضخ ما بقي من الـ 95.5 مليارا. بعبارة أخرى: الكونجرس يحاول أن يضغط من خلال تجزئة المبالغ الإضافية، حتى يتمكن الكونجرس بنهاية السنة المالية التي تنتهي في سبتمبر، لتحقيق هدفه بربط أية اعتمادات لتمويل العمليات العسكرية في العراق، بجدول زمني ينهي وجود تلك القوات بنهاية السنة المالية الجديدة ببداية أكتوبر 2008، حتى يتحرر الجميع ديموقراطيين وجمهوريين من مشكلة التورط في العراق، لكي لا تستهلك القضية جهود جميع الأطراف في الحملة الانتخابية للسباق تجاه البيت الأبيض الخريف القادم.
هذه المرة: لن يحظى الرئيس الأمريكي بدعم حتى أقطاب حزبه في الكونجرس. زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب جون بوهنر صرح: بحلول سبتمبر سَيُقَيِم المجلس مدى التقدم الذي تحرزه القوات الأمريكية في العراق للسيطرة على الوضع الأمني هناك لتضطلع بها أجهزة الأمن العراقية، وإلا فإن الكونجرس يطور خطة بديلة..!؟
هذا الاتفاق الحزبي النادر على سيد البيت الأبيض لن يسمح للرئيس الأمريكي بمجال للمناورة. الرئيس الأمريكي بالكاد يستطيع أن يضمن تمويل لقواته في العراق ( بالقطارة ) ، حتى سبتمبر القادم. ولن يتمكن من الإنفاق على تلك القوات ضمن ميزانية العام القادم التي تبدأ في الأول من أكتوبر القادم، إلا بعد أن يربط أي تمويل لتلك القوات في ميزانية العام القادم، بجدول زمني ينتهي بنهاية السنة المالية نهاية سبتمبر 2008، ويكون آخر جندي أمريكي يغادر العراق في الوقت الذي يدخل الرئيس الأمريكي الجديد البيت الأبيض، سواء كان ديموقراطياً أو جمهورياً.
كل المؤشرات تدل على أن الجيش الأمريكي لا يستطيع أن يطور تحولاً ملفتاً في الحالة الأمنية في العراق، بحلول يوليو القادم، ليقنع الكونجرس بالإفراج عن النصف الآخر للميزانية الإضافية لتغطية نفقات القوات الأمريكية حتى سبتمبر القادم. حتى لو استطاع البيت الأبيض الحصول على بقية مبلغ الـ 95.5 مليار دولار الإضافية البالغ 52.5 مليار دولار، فإن الرئيس الأمريكي لن يستطيع، بالقطع، أن يفلت من مطالبة الكونجرس بربط أي اعتمادات جديدة في ميزانية العام القادم، التي تبدأ في شهر أكتوبر، بجدول زمني ينهي الوجود العسكري الأمريكي في العراق، قبل أن يتقلد الرئيس الجديد مهام مناصبه الدستورية، في العشرين من يناير 2009.
تبدو خطة الكونجرس البديلة لمواجهة الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي ضد مشروع الميزانية الأخير، منطقية.. وتعكس طبيعة تشكيلة الكونجرس الجديد.. وحتى قلق الجمهوريين أنفسهم من استمرار عبء التورط في العراق، الذي قد يكلفهم الرئاسة ويبقيهم أقلية في الكونجرس القادم. ولكن، من الناحية العملية يصعب تصور أن تُحْدث القوات الأمريكية بقدراتها الإضافية أي تقدم على جبهة العراق.. ويصعب أكثر تصور قبول الساسة في واشنطن خروجاً مهيناً من العراق.
في النهاية لن تستطيع انتخابات العام القادم أن تفلت من قضية التورط في العراق.. وسوف يكون شعار حملة الانتخابات الرئاسية وكذا الكونجرس في الخريف القادم ( الخروج “المشرف” ) من العراق، تماماً كما كانت شعار انتخابات الرئاسة عام 1968، التي جاءت بالرئيس ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض ويقبع الجزء الأكبر من ولايته الأولى مشغولاً بالحرب في فيتنام.. وفي النهاية يعرف العالم والأمريكيون الثمن الذي دفعه الأمريكيون، من شرفهم قبل ثروتهم وضحاياهم، من أجل الخروج من حرب فيتنام. حتى الدول العظمى لا تتعلم من دروس التاريخ... هذه هي مأساة البشرية الأزلية.