المثقف وجدلية الفقيه.. الصور والتجليات
عند النظر المعرفي لمسألة المثقف وجدلية الفقيه, فإن هذا النظر يستدعي استحضار الوجه الآخر لهذه المسألة ليكتمل النظر ويتوازن, ويتحدد هذا الوجه في البحث عن مسألة الفقيه وجدلية المثقف.
وهذا يعني أننا أمام صورتين لهذه المسالة, صورة المثقف وجدلية الفقيه, وصورة الفقيه وجدلية المثقف, بمعنى أن مصدر الجدل تارة يكون من الفقيه, وتارة يكون من المثقف, وحيوية الجدل أن يكون من طرفي العلاقة وليس من طرف واحد.
وحاجة النظر لهاتين الصورتين حتى لا تفهم هذه المسألة على أساس العلاقة بين الأصل والفرع, أو بين المركز والطرف, أو بين الأولي والثانوي. وكأن المثقف هو في موقع الأصل أو المركز, والفقيه في موقع الفرع أو الطرف, فلا المثقف في هذه الجدلية هو في موقع الأصل أو المركز, ولا هو أيضاً في مركز الفرع أو الطرف, وهكذا هو حال الفقيه.
والقصد من ذلك أننا نتوخى النظر المعرفي لهذه المسالة بعيداً عن منطق التحيز والانتصار.
وتظهر جدلية العلاقة بين المثقف والفقيه في العديد من الصور والتجليات, فهي تظهر تارة في

البحث في العلاقة بين الثقافة والفقه من البحوث المهمة والمهملة في الدراسات الثقافية

صورة العلاقة بين الثقافة والفقه, وذلك لكون أن المثقف حسب هذه التسمية يظهر منتسباً إلى الثقافة ومتصلاً بها, في حين يظهر الفقيه حسب هذه التسمية كذلك منتسباً إلى الفقه ومتصلاً به.
والبحث في العلاقة بين الثقافة والفقه, من البحوث المهمة والمهملة في الدراسات الثقافية, ويكفي معرفة أهمية البحث عن هذه القضية, أن المنزلة المتعاظمة للثقافة في الثقافة الأوروبية, تعادل المنزلة المتعاظمة للفقه في الثقافة الإسلامية. وفي طور آخر, تظهر هذه الجدلية في صورة العلاقة بين العلوم الإنسانية والاجتماعية التي يتصل بها المثقف بشكل أساسي تحصيلاً وتعليماً وتثقيفاً, وبين العلوم الإسلامية والشرعية التي يتصل بها الفقيه بشكل أساسي تحصيلاً وتعليماً وتثقيفاً أيضاً. كما تظهر هذه الجدلية, في صورة العلاقة بين علوم العقل أو العلوم العقلية التي يحلو للمثقف الارتباط بها, وبين علوم النقل أو العلوم النقلية التي يحلو للفقيه الارتباط بها.
وتظهر تارة, في صورة العلاقة بين علوم الدنيا التي يرى فيها المثقف أنها الأولى في الاهتمام لتأخرنا وضعفنا في هذا الجانب, وبين علوم الدين التي يرى فيها الفقيه أنها الأولى في الاهتمام لكونها أول ما يطلب في تحصيل العلم.
وتظهر هذه الجدلية كذلك, في صورة العلاقة بين علوم العصر التي يحاول المثقف التفاخر بها ليظهر نفسه ملماً ومطلعاً ومواكباً لهذه العلوم, وبين علوم التراث التي يحاول الفقيه من جهته التفاخر بها ليظهر نفسه ملماً ومطلعاً ومحافظاً لهذه العلوم, بوصفها علوم السلف وتراث الأمة.
وهكذا في صورة العلاقة بين المؤسسة التي ينتمي إليها المثقف وهي في الغالب مؤسسة الجامعة ونمط التعليم الحديث الذي يكسب الفرد الحس النقدي, والتفكير المنفتح, والمعرفة الجديدة, وذلك حسب رؤية المثقف. وبين المؤسسة التي ينتمي إليها الفقيه وهي في الغالب مؤسسة التعليم الديني بأنماطها المتعددة الجامعة والمعهد والحوزة, والتي تكسب الفرد الالتزام الأخلاقي, والمسؤولية الاجتماعية, والمعرفة الدينية, وذلك حسب رؤية الفقيه.
والبحث في صور هذه العلاقات وأنماطها, هو الذي يوسع ويعمق اتجاهات وأبعاد النظر في العلاقة بين المثقف والفقيه.
وتكشف هذه الصور والتجليات عن طبيعة الجدل الذي يمثله الفقيه في علاقته بالمثقف, وطبيعة الجدل الذي يمثله المثقف وعلاقته بالفقيه.
almilad@almilad.org