تخيل أن عدد سكان العالم اليوم قد وصل إلى حوالى ستة آلاف مليون وستمائة مليون إنسان وأنهم يتزايدون بمعدل يفوق الشخصين في الثانية الواحدة... وفي أية لحظة خلال هذا العام... ربما أثناء قراءتك لهذه المقالة... إن أكملتها... أو ربما بعد يومين أو شهرين.. سندخل مرحلة جديدة في تاريخ البشرية وهي مرحلة «التمدين» عندما سيكون أغلبية سكان كوكبنا من سكان المدن... إنسان واحد سيولد بداخل إحدى مدن العالم أو سيهاجر إلى إحداها ليرجح كفة المدن لتصبح أماكن سكنى أغلبية البشر... ولكن هناك ما هو أغرب من كل هذا فرغم أننا في القرن الواحد والعشرين بكل ما يحتويه من تمدن وتقدم، لا يزال العالم يعاني من عدم اتزان في أوضاعه الإنسانية... الفرق بين الأغنياء والفقراء غير مقبول طولا وعرضا من وجهة نظري... أكثر من سدس سكان كوكبنا دخلهم أقل من أربعة ريالات يوميا... وأكثر من 18% من سكان العالم يعيشون في مناطق عفوية ذات بيئة طبيعية وعمرانية غير مقبولة هي الأخرى... وللأسف أن مفهوم المناطق العفوية لم يتفق عليه بين البشر... وحتى بين المتخصصين... فدعونا نبدأ بتعريف ما المقصود بها حسب تعريف الأمم المتحدة... هي

في جدة لدينا حوالى 50 منطقة عفوية يقدر عدد سكانها بأكثر من مليون إنسان

المناطق التي تفتقر إلى خمسة عناصر رئيسة وهي: مواد البناء المعمرة في مساكنها... وخدمات المياه بتكاليف معقولة... وخدمات الصرف الصحي المعقولة... والتزاحم بداخل الوحدة السكنية (أكثر من ثلاثة أشخاص للغرفة الواحدة)... والتوثيق القانوني للإعاشة (الحماية من الطرد من الوحدة السكنية)... وهذه هي العناصر الخمسة غير المتوفرة لأكثر من ألف مليون إنسان... والأسوأ من كل هذا أن التوقعات تشير إلى نمو هذه المناطق بمعدل إنسان في الثانية الواحدة ليصل عدد سكانها إلى حوالى ألف وأربعمائة مليون إنسان بحلول عام 2020 وكأن هناك فئة بشرية منبوذة يتم شحنها إلى منازل دنيا في الحياة المدنية... تخيل أن خلال العشرين سنة القادمة سيصل عدد سكان بعض المدن إلى ما يعادل تقريبا سكان عدد وطننا بأكمله... عشرون سنة تعتبر «غمضة عين» في حياة المدن... وتحديدا فالمتوقع أن يصل عدد سكان كل من مومباي في الهند، ومكسيكو سيتي في المكسيك، ودلهي في الهند، ودكا في بنجلادش، ولاجوس في نيجيريا إلى أكثر من عشرين مليون إنسان... وللعلم فسكان المناطق العفوية في بعض من تلك المدن حاليا يفوق إجمالي عدد سكان جدة ومكة والطائف... ولكن هناك بعض الجوانب الإيجابية حيث تشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن بعض الدول نجحت أكثر من غيرها في الالتزام بمشاريع جادة وذات نطاق واسع وفعال في رفع مستوى المناطق العفوية... مصر وتونس والبرازيل وتايلند والمكسيك كانت الرائدة في تقليص حدة المشكلة الإنسانية... ولكن هناك أهم من كل ما ذكر وهو أننا نعاني من تحديات المناطق العفوية في وطننا... في جدة لدينا حوالى خمسين منطقة عفوية يقدر عدد سكانها بأكثر من مليون إنسان... والكثير منهم تنطبق عليهم الشروط الخمسة المذكورة أعلاه... عجبت لعدم ذكر مدننا ضمن قائمة المدن المدرجة التي تعاني من تحديات المناطق العفوية لدى الأمم المتحدة... وعجبت أيضا لعدم إدراج المدن الفلسطينية بأكملها ضمن تلك المدن.
* أمنيـــة:
لم يولد تحدي المناطق العفوية في يوم وليلة وبالتالي فلا يعقل أن حل المشكلة سيكون سريعاً وخصوصا أنها متشعبة ومتعددة المحاور والأبعاد... ولكن لا يمنع هذا أن نسعى بتكريس أعلى وأفضل الطاقات والموارد لمواجهة هذا التحدي بجدية... في مجالات الإسكان وتوفير الخدمات، وإعادة النظر في أنظمة التملك... أتمنى أن نتذكر أن أحد أهم معايير نجاح أية مدينة هي أن تكون رحيمة لأن هدف المدينة... أية مدينة في أي زمان ومكان... هو خدمة الإنسان.. والله من وراء القصد.