رؤية سياسية
من شرم الشيخ لواشنطن مروراً بطهران
د. طلال صالح بنان
ما حدث ويحدث في العراق، منذ الغزو وما أعقبه من احتلال، فرض ويفرض نفسه إقليمياً ودولياً، وبصورة خاصة عربياً. الولايات المتحدة الأمريكية بحضورها الآن مؤتمر شرم الشيخ الدولي، هي ليست الولايات المتحدة التي اتخذت قرار الغزو من أربع سنوات. تغير الكثير في سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق والمنطقة، خلال هذه الأربع سنوات، لتكشف عن محدودية الخيارات والوسائل التي بيد واشنطن لتحقيق أهداف الغزو الاستراتيجية والسياسية، مما يدفعها اليوم لتطالب العالم، ودول الجوار ـ بصفة خاصة ـ مساعدتها لدفع تكلفة الغزو والاحتلال، وربما تبعات الانسحاب العسكري من العراق.
السيدة كوندوليزا رايس تأتي إلى شرم الشيخ وهي مستجدية لا آمرة.. منكسرة لا منتصرة.. قليلة الحيلة والخيارات لا واسعة النفوذ والموارد. ولكن النهج لم يتغير: التخويف من مغبة الفشل في العراق.. والتلويح باحتمال زعزعة أكبر للنظام الإقليمي، إذا لم يتعاون معها جيران العراق، لدفع تكلفة الغزو والاحتلال وملء أي فراغ يمكن أن ينتج عن نفض يد واشنطن من وعن مشكلة هي أحدثتها وتسببت فيها. قبل أن تصل السيدة رايس إلى شرم الشيخ كان قد سبقها الرئيس الأمريكي في التهيئة لأسلوب الابتزاز التي تريد أن تمارسه في المؤتمر، عندما قال: إن أمريكا لو خرجت من العراق، فإنه سيكون من الصعب على العالم العودة إليه للتعامل مع ما قد يخلفه الانسحاب الأمريكي من عدم استقرار إقليمي يكون له تبعات دولية ممتدة. نفس النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية محلياً لجعل الرأي العام الأمريكي يعيش حالة رعب دائمة ومتوترة بـ “فزاعة” ما يسمى الإرهاب.
المشكلة، هنا أن واشنطن تنسى أو تتناسى أنها سبب المشكلة، من البداية باتخاذ قرار الغزو وتنفيذه بعيداً عن أي شرعية سياسية أو قانونية، أو حتى أخلاقية دولية أو إنسانية. قام قرار غزو العراق على كذبة كبرى مستنداً على خديعة أكثر خبثاً ومكراً، بات العالم كله اليوم يعرفها . لم يعد هناك مجال كبير للإدارة الأمريكية أن تناور محلياً بوجود كونجرس معادٍ يضغط من أجل ألا تفلت إدارة الرئيس بوش بفعلتها في العراق، لتورثها لإدارة ديموقراطية قد تأتي بها انتخابات الرئاسة في نوفمبر 2008.
مهمة السيدة رايس في مؤتمر شرم الشيخ واضحة: وهي إيجاد موارد مالية بديلة لمقاومة ضغط الكونجرس للانسحاب من العراق، باستخدام “فزاعة” الإرهاب، ولكن هذه المرة رايس تحضر المؤتمر ومعها قائمة مطالب سياسية ومالية ولوجستيكية، من أجل التعامل مع أي تطور لمسألة رفض الكونجرس لدعم استمرار الوجود العسكري في العراق. السيدة رايس تعرف أن الحكومة التي نصبتها في بغداد لا تحظى بشعبية إقليمية عربياً. وتعرف أكثر أن أي تقدم لدعم برنامج الحكومة الأمريكية في العراق في المرحلة القادمة، لا يمكن أن يحظى بتجاوب عربي مؤثر وحكومة السيد المالكي، التي يُنظر إليها عربياً على أنها حكومة طائفية، تظل تحكم في المنطقة الخضراء من بغداد. ثم أن الدول العربية تتردد في أن تستثمر سياسياً ومادياً في العراق، لينتهي استثمارها هناك إلى طرف إقليمي آخر في الجهة المقابلة من الخليج العربي يُعد المستفيد الوحيد والرابح الأكبر من نتائج الغزو السلبية على عدم استقرار العراق والمنطقة.
ثُمّ: مهما نُظر إيجابياً إلى حضور إيران مؤتمر شرم الشيخ، إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن اتفاق واشنطن وطهران على حضور المؤتمر مع احتمال إجراء اتصالات بينهما في قاعات المؤتمر أو أروقته، أملته ظروف التورط الأمريكي في مستنقع العراق، الذي تستخدمه طهران كورقة قوية في مواجهة أي إجراءات أمريكية عنيفة محتملة للتعامل مع ملف إيران النووي. كذلك فإن الحرص على اشتراك إيران في المؤتمر، يعكس حقيقة الوضع الإيراني القوي في أجواء الفوضى البناءة التي أوجدتها أمريكا في العراق بالغزو والاحتلال.
في النهاية: اجتماع شرم الشيخ يمثل لقاء لأطراف دولية وإقليمية لكلٍ منها أجندات خاصة بها للتعامل مع الوضع الأمني والسياسي المتردي في العراق الذي نتج عن الغزو ولم تستطع القوة الضاربة الأمريكية، بكل جبروتها ومواردها، أن تحتويه. لقاء المصالح بين الأطراف المشاركة في شرم الشيخ بعيد ويحتاج إلى ما هو أجدى وأبعد من مؤتمر واحد للتعامل معه. ولكن الحقيقة تظل قائمة: الأضرار التي نتجت عن غزو العراق، في النهاية سيدفع تكلفتها الشعب العراقي ومصير العراق كدولة... وهذا، بالتبعية سوف يكلف النظام العربي الكثير من موارده وأمنه.