«إن مصلحة إسرائيل تقتضي أن تكرس الصراعات وتتعمق، لأن انقسام العالم العربي يعني في نهاية المطاف إضعافه وتشتت قواه وطاقاته التي كان يمكن أن يعبئها ويحشدها في مواجهة إسرائيل». كانت هذه الفقرة مقدمة لمجموعة من الأبحاث للندوة التي نظمها مركز بارا إيلاف للأبحاث الإستراتيجية ووزارة الخارجية الإسرائيلية عام 1992، بعنوان: «الموقف الإسرائيلي من الجماعات الإثنية والطائفية في العالم العربي»، وهذه الندوة هي واحدة من الفعاليات البحثية والدراساتية الكثيرة التي تقوم بها الأجهزة الإسرائيلية لزيادة حدة التباينات والتوترات الطائفية العربية، ويضع بعض المراقبين والمتابعين مثل عبدالرؤوف سنو، العدوان الإسرائيلي الأخير على الجنوب اللبناني في السياق الإسرائيلي الذي يستهدف- فيما يستهدف- خلق نزاعات بين النازحين الشيعة ومجتمعهم اللبناني الذي احتضنهم من مسلمين ومسيحيين من جانب آخر.
لا شك بأن حالة الاستقطاب السياسي الراهنة في لبنان والعراق داخلياً وخارجياً تساهم في وجود توترات طائفية، ولكن من الطبيعي جداً أن تسعى بعض الأطراف الإقليمية والدولية، التي تستفيد من إضعاف كل اللبنانيين والعراقيين، كإسرائيل وأمريكا, نحو إبقاء فتيل التوترات المذهبية والطائفية مشتعلاً. بيد أنه لو نظر كل طرف داخلي

قد يساهم أبناء الطائفة الواحدة في إشعال ما كان خامداً من اختلافات

إلى مصالح الأمة و أولاها الاهتمام المطلوب بحيث تكون في أول سلم الأهداف لما استطاع الأعداء اختراق جسد الأمة من ثقب الفتن الطائفية. وهو ثقب ذو ممر ضيق، ولكنه يفضي إلى حروب أهلية تجر البلاد والعباد إلى مستقبل مجهول، وإلى جراحات دامية تصيب النفوس قبل الأبدان.
ليس المقصود من الموضوع تعليق مشاكل أمتنا على مشجب «نظرية المؤامرة»، لأن المؤامرات لا تنجح إلا بخلل في الذات، وبقدر ما نحاول التركيز على ما يهمنا وينبغي التأكيد عليه دائماً من الالتفات إلى الذات في ما هي عليه وما ينبغي منها. صحيح أن أمتنا مستهدفة، ولكن الأصح ألا نتيح للمستهدفين النجاح في اختراقنا واستثمار مشاكلنا الداخلية، من خلال الفتن الطائفية التي قد نشعل حطبها بأيدينا بقصد أو دون قصد تحت عناوين فئوية أو استحقاقات آنية.
وتكمن المشكلة في تشاغل وانشغال البعض في إثارة الفتن الطائفية والمذهبية مما يهيئ للمؤامرات الممرات السالكة للعبور وخلط الأوراق الداخلية. هذا التشاغل قد يحدث بين الطوائف كما هو الحال في العراق ولبنان، وقد يقع بين أبناء الطائفة الواحدة كما هو حاصل بين المسيحيين أنفسهم في لبنان، وبين السنة في العراق، وبين الشيعة في العراق أيضاً. بل قد يساهم أبناء الطائفة الواحدة في إشعال ما كان خامداً من اختلافات اجتهادية بينهم هنا أو هناك.
من أشد ما ابتليت به أمتنا العربية والإسلامية طوال التاريخ الفتن الطائفية، سواءً ساهم في انبعاثها العدو الخارجي أو المغرضون من داخل الأمة. لذا ليس من الإنصاف توقع توقفها، ما دامت، من جهة أولى، محاولات تلاقي مصالح الطوائف تتعثر وتفشل في أغلب الأحايين. وما دامت، من جهة ثانية، محاولات ردم الهوة وإصلاح الذات داخل الأمة بين الطوائف، بصورة واقعية تعطي لكل طائفة تميزها وحقوقها ووزنها في الحياة المشتركة، ينتابها الفشل. وما دامت، من جهة ثالثة، محاولات إنجاح الصعود الطائفي لبعض الأطراف على حساب الطوائف الأخرى تلقى ترحيباً من الداخل أو الخارج!
أما ما تتمناه أمتنا من أبنائها أن لا يكونوا ممن شملهم الحديث الشريف « منَ شبَ نار الفتنة كان وقوداً لها»، بل أن يكونوا ممن قالوا: « ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم» الممتحنة/5. والله من وراء القصد.
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@hotmail.com