الأسطورة اليهودية القديمة، والصهيونية الحديثة، تقول إن «أرض الميعاد» هي «أرض السمن والعسل». ولكن ما العمل إذا كان الأكاديميون اليهود في إسرائيل لا يريدون السمن ولا العسل، بل الدولارات الكثيرة؟ العمل بسيط وهو الهجرة إلى الولايات المتحدة. وهذه الظاهرة تزداد من سنة إلى أخرى. وتقول جريدة «يديعوت أحرونوت» (12/12/2006) إن حوالى خمسة آلاف عالم وأكاديمي بارز من إسرائيل يعيشون في الولايات المتحدة منذ مدة طويلة، وهذا العدد هو نصف العلماء والأكاديميين الكبار الإسرائيليين. ما الذي يدفع العلماء الذين تعلموا في الجامعات الإسرائيلية وخدموا في الجيش وبنوا حياتهم وأقاموا عائلات في إسرائيل إلى الهجرة؟ هناك أسباب عدة: السبب الأول أن الدخل الممكن في الولايات المتحدة هو أضعاف الدخل الممكن في إسرائيل. «في إسرائيل يقبض الواحد منا خمسة آلاف إلى عشرة آلاف شايكل شهرياً (1000- 2000 دولار) أما في الولايات المتحدة فهو يقبض 120-150 ألف دولار سنوياً من عمل واحد، وإذا عمل عملاً إضافياً فإن دخله يزيد». هذا ما قاله أحد العلماء الإسرائيليين العاملين في الولايات المتحدة.
وتقول الصحيفة إن هنالك دوافع أخرى تدفع العلماء والأكاديميين البارزين في إسرائيل للرحيل إلى أمريكا: أولاً الحلم الصهيوني أصبح باهتاً وعديم الجذب بالمقارنة مع الدولار الأخضر الرنان، وثانياً الوضع الأمني في إسرائيل بالغ التوتر، طول الوقت، وعندما يعيش العالم في أمريكا فإن همومه الشخصية هي ما يملأ حياته

فشلت السياسة الصهيونية في جذب يهود العالم ونصف علماء إسرائيل يعيشون في الولايات المتحدة

ولا شيء غير هذا، لا خطر الحروب ولا الخدمة العسكرية الاحتياطية ولا كل هذه المشاكل الخانقة وغيرها. ويقول عدد من الأكاديميين المهاجرين إن نسبة الطلاب في الجامعات الإسرائيلية تضاعفت في السنوات الأخيرة ولكن موازنة التعليم العالي ظلت كما هي، وبالتالي فإن قدرة استيعاب الجامعات لأساتذة جدد وخبراء أبحاث هي قدرة محدودة، ولذلك فإن المنافسة على أمكنة عمل جديدة في الأكاديمية الإسرائيلية هي منافسة شرسة جداً. ولذلك فإن الأكاديمي قد يواجه معاشاً قليلاً في أحسن الأحوال، وقد يواجه عدم إيجاد عمل إطلاقاً. «إزاء هذا ما الغرابة أن أكاديميين بعد الدكتوراه مباشرة، يخرجون إلى العالم بحثاً عن عمل وبحثاً عن المال الوفير؟». هناك عدد من الأساتذة الكبار والعلماء الإسرائيليين يرون في «هروب الأدمغة» من إسرائيل ظاهرة بالغة الخطورة اقتصادياً وعلمياً. وقال أبرهام شوحاط وزير المال الأسبق: عندما كانت إسرائيل فقيرة لم تبخل بالموازنات للجامعات ورأت في هذا توظيفاً علمياً بعيد المدى، ومصدراً من مصادر القوة النوعية العسكرية. للأسف الآن تقل الموازنة من سنة إلى أخرى، ويقل مجال العمل والدولة تتكلم باستمرار حول الحاجة إلى تغيير الوضع، والوضع لا يتغير. وهناك ملاحظة بالغة الأهمية قالها عدد من أساتذة الجامعات، وهي أن العلماء الشباب يهاجرون في البداية فعلاً، لسنوات عدة، ولكن عندما يصلون ويعملون ويربحون ويقيمون العلاقات، فإنهم أكثر فأكثر يتمسكون بالبقاء في الولايات المتحدة.. بينما «قلوبهم في إسرائيل»! وقال البروفسور اسحق افلويغ: إن عدد الأساتذة في السلك الأكاديمي هو كما كان قبل 25 سنة، بينما عدد الطلاب تضاعف أو ازداد ثلاث مرات. وهذا يعني أيضاً نقصاً في جودة التعليم ونقصاً في العناية الفردية للأستاذ بالطلاب. وللمدى البعيد، فإن هناك خطراً حقيقياً أن تنخفض نوعية التعليم الأكاديمي في إسرائيل. وأشارت الصحف إلى أن ظاهرة هروب العلماء من إسرائيل إلى الولايات المتحدة ترافقها ظاهرة ليست أقل خطورة، وهي تفكير شركات عالمية كبرى لها فروع في إسرائيل في نقل فروعها هذه إلى الصين والهند وغيرها من الدول الآسيوية الشرقية، حيث كلفة الإنتاج أقل من كلفة الإنتاج في إسرائيل. إن إسرائيل التي تريد أن تكون دولة عظمى صناعية وعلمية ترى في «هجرة الأدمغة» منها إلى أمريكا خطراً حقيقياً، ومن شأن هذا الخطر أن يتفاقم. فكلما ازداد الأكل زادت الشهية، وهناك علماء يهود إسرائيليون في الولايات المتحدة يجذبون أصدقاءهم للحاق بهم. والقضية الثانية أن إسرائيل لا تريد أن تخسر قوى بشرية متعلمة بشكل متميز وشابة، فهذا هو دليل فشل السياسة الصهيونية التقليدية التي تريد جذب يهود العالم للهجرة إلى إسرائيل وليس الهجرة منها إلى الخارج. كذلك يقول العديد من المعلقين إن هجرة العقول العلمية الكبيرة الى الخارج هي «خسارة نوعية» لإسرائيل، سواء بالمعنى الاقتصادي أو بالمعنى العسكري والاستراتيجي.
* كاتب فلسطيني يعيش في الناصرة عن الإنترنت بالإنجليزية