في أواخر التسعينات الميلادية، فبرك ستيفن غلاس، مالا يقل عن 23 مادة صحافية، نشرتها له جريدة «ذي نيو ريببلك» و بعدها وفي عام 2003، ألف جايسون بلير وسرق، ستاً وثلاثين مادة صحافية، قبل ان تقف جريدة «ذي نيويورك تايمز» على احتياله، والشواهد المحلية المسكوت عنها كثيرة، اما التفسير المحتمل لمرور مثل هذه التصرفات الفاضحة والسرقات الصحافية، من وجهة نظر اصحاب العلاقة، فهو ان المشار اليهم في الاخبار الملفقة، لم يهتموا باشعار الجريدة والاعتراض، فقد اظهر مسح قامت به جمعية رؤساء التحرير التنفيذي في اسوشيتد برس (2003) ان مجموعة كبيرة من الناس، لا تبلغ الصحافة باخطاء وقعت فيها، لانها لا تثق في معالجتها للمشكلة، او انها ستأخذ حقها من الاهتمام، وكشف استطلاع اجراه مركز اننبرغ الامريكي في عام 2005 ان ثلثي الامريكييـــن يعتقدون بأن المؤسسات الصحافية، تتجاهل او تحاول التستر على الاخطاء الخطيرة المنشورة في اصداراتها. مع ان ميثاق الشرف الاعلامي، لجمعية الصحافيين المحترفين في امريكا، يؤكد على ضرورة الاعتراف بالاخطاء وتصحيحها فورا، و اشك في وجود ميثاق مشابه في العالم العربي، وان وجد فاحتمال تطبيقه محدود وفي حالات خاصة وتحت الضغط.
الخطأ في الخبر جريمة، وقد طلب ميتشيل شارنلي(1936) من الف شخص وردت أسماؤهم في أخبار ثلاث صحف امريكية، ان يحددوا الاخطاء في المعنى، وفي المعلومة، وفي الطباعة، ليجد ان 50 في المئة من الاخبار حــوت مغالطات بشكل أو آخر، وللتوضيح فالخطأ الصحافي يدخل فيه التصريح المجتزأ او المحرف، العيوب اللغوية، التأكيدات

من المفيد أن تعمد الصحافة السعودية قوائم بالأخطاء احتياطاً واستعداداً للمفاجآت

الزائدة عن الحد، التبسيط المبالغ فيه، الحـذف او الاسقاط، العناوين المضللة، ومعها الخطأ في الاسم والعمر والرقم واللقب والمكان والزمان واليوم، والمسألة لا تمتد الى كتاب الاعمدة لانهم في الغالب يصححون لانفسهم، وما يكتب باسمائهم يعبر عن رأي او موقف شخصي، و لا يمثل خط الجريدة او فريق تحريرها، وطبقاً لفيليب مير في مؤلفه الصحافة الغائبة (2004) و سكوت ماير في: قضايا الدقة (2005) فإن 60 في المئة، من سبعـــة آلاف مصدر رئيســي امريكي، في اخبــار اثنتين وعشرين جريدة في الولايات المتحدة، قالوا بوجود اخطاء في المواد الصحافية التي نقلت عنهم.
التبرير الصحافي جاهز دائماً، فالصحفيون المحترفون في امريكا كما تقول الجمعية المسؤولة عنهم (1999) يرون بأن التصويب صعب في غياب مشاركة القارئ، وان هذا المستوى من المسؤولية لا يتوفر الا في واحد بين كل خمسة قراء، و لاحظ نيل نيميث وكريغ ساندرز(2001) بأن الصحافة الامريكية المطبوعة، لم تهتم بتصحيح اخطائها اولاً بأول الا في ستينــــات القـرن الماضي، والقضية تشرحها اخطاء جريدة ذي نيويورك تايمز، حيث سجلت دراسة قام بها ستيف باركن ومارك ليفن(1983) بأن الجريدة في عام 1982 كانت تنشر تصحيحاً واحداً كل يوم، وكتبت كاثرين سيلي في نفس الجريدة يوم 9 مــــــايو 2005، انها نشرت ثــــلاثة آلاف ومائتي تصحيح، بمعدل تسعة كل يوم. الارتفاع يفسره تخصيص نيويورك تايمز لارقام مجانية وايميلات للابلاغ عن الاخطاء، بجــانب ان النسبة الاكبـر مما يصحح، تخص الاخطاء المبررة والمتوقعة، وغيرها يهمل، ما يهـــدد بالتالي مصداقية أية جريدة، وقــالت ماري نيسبيت، الخبيـرة في شـــؤون القـــراء(2003) بأن التصويبـات القليلـــة، مؤشـــر علـى انخفــــاض قـراء الجريدة، و ان هناك اخطــــاء نشــــرت ولم يلاحظها احد، والرأي الاخير فيه قـولان، لان 11 في المئــــة فقط مـــن مصــــــادر الاخبار، حسب دراسة امريكية اجريت عام 2006، اشـــاروا الى أنهم اتصلـــوا بالصحيفة لتصـويب اخطاء نشرتها، والفارق ان معظمـهم، من الشخصيات الرسمية، المشاهير، رجال الاعمال والناشطين في المجالات المختلفــــة، او اصحاب التعـــامل المستمر مع الإعلام، وليسوا اشخاصاً عاديين، لا يتجاوز حضورهم احيانا دائرة شاهد العيان أو مايدخل في حكمها، ربما لأن الفئة الثانية تعتبر نفسها طارئة على الاضواء و مطالبها هامشية في نظر الجريدة.
المصيبة الاخرى، ان تصحيح الخطأ او الاعتذار عنه قد يلفت الانتباه اليه اكثر، ويضر ولا ينفع، خصوصاً اذا كان الموضوع حساساً ودقيقاً، ولم يكن للاستعراض واثبات الذات، والتصويب لا يصلح الخطأ في الخبر الاصلي ما لم يحرك الشبهات والتفسيرات حوله، والاحتمال قائم بان التنبية للاخطاء البسيطة قد يفسد العلاقة مع الصحافة لمن يتبركون بها ويسبحون بحمدها.
التصويبات في الصحافة السعودية نادرة، مايشير الى علو الكعب والخصوصية والتفرد، والموضوع لا يخلو بطبيعة الحال من اعتذارات خجـــولة تختبئ في زوايا ضيقة، بل وقد تعتذر الجريدة عن همزة ضلت طريقها او فتحة او كسرة او ضمة أو سكون غير في المسار النحــوي للمادة الصحافية، ولو افترضنا ان الصحافة السعودية، لا تعتـــرف بأخطائها، وهــو امر مستبعد، بدون شك، فإن وضع قوائم بالاخطاء من باب الاحتياط والاستعداد للمفاجآت قد يفيد...!
binsaudb@ yahoo.com