على خفيف
فلم يستبينوا النصح؟!
كان واضحاً لكل ذي عقل وفطنة وحكمة وبعد نظر أن الفتوى الجماعية التي صدرت قبل نحو عشرين عاماً أو يزيد، متضمنة جواز وصحة عقد النكاح بنية الطلاق، كان واضحاً أن تلك الفتوى سوف تُستغل أسوأ استغلال من قبل الذين لديهم فهم للتعدد مبني على المتعة الجنسية باعتبارها هدفاً قائماً بحد ذاته لا يرتبط بأي هدف أو واجب أو شعور إنساني آخر! ولكن النظرة السطحية في تناول أمور اجتماعية وأسرية وفقهية مهمة للغاية، جعل الذين أصدروا الفتوى ينظرون إليها من زاوية واحدة هي أن العقد صحيح في حالة وجود نية طلاق لدى الرجل مادام أنه لم يبح بنيته للعروس ولا لأحد من أهلها ولم يُحدد في العقد مدة معينة لذلك النكاح الأمر الذي يخلص العقد من شبهة كونه نكاح متعة!
ولما نشرت الفتوى تصدى لها بقلمه الرصين وفقهه المكين المفكر الإسلامي الرزين الأستاذ أحمد محمد جمال «رحمه الله» وكتب في جريدة «المسلمون» قبل احتجابها ثلاث مقالات ناقش فيها الفتوى وطالب بمراجعتها وتوقع استغلالها من قبل كل مِزواج. وكان من ضمن ما قاله فضيلته إن النكاح بنية الطلاق أشد وأنكى على المرأة المستهدفة، من نكاح المتعة المحرَّم بإجماع أهل السنة، لأن المرأة التي تُنكح من قبل رجل ينوي طلاقها بعد أيام أو أسابيع، ما كانت لتقبل بذلك النكاح ولا أهلها لو علموا أن عريس «الغفلة» جاء يتسلى وأنه علة!، أما في نكاح المتعة المُحرّم فإن جميع أطراف النكاح بمن فيهم العروس المزعومة يعلمون أنه نكاح متعة لأجل محدد وبأجر محدد ولغرض محدد! ولكن أصحاب الفتوى لم يستبينوا النصح يومها وتجاهلوا ما كتبه الأستاذ أحمد جمال وصدوا عنه.
وهكذا استقرت تلك الفتوى وأخذت تفعل أفاعيلها طوال السنوات العشرين الماضية، وأصبحنا نسمع عن مزاويج.. مراجيج يهبطون في قرى عربية وإسلامية في مهام عمل لعدة أيام ثم يستغلون وجودهم في تلك الدول لإغراء أسر فقيرة يائسة بالزواج من عُرب أتراب بعد إغراء أسرهن بالمال والوعود بحياة زوجية سعيدة، وفي نية كل واحد منهم قضاء وطره ثم رمي ورقة الطلاق للمسكينة غير آبه بها أو بمستقبلها الأسود!
والآن.. بعد أن وقع الفأس في الرأس وأصبحت المآسي بالآلاف ونتج عن بعض تلك الشهوات أوضاع أسرية وذرية ضائعة الهوية، أخذ بعض طلبة العلم ينددون بالنكاح بنية الطلاق وليت هؤلاء وغيرهم كانوا أصحاب بصيرة تجعلهم يدركون من أول الأمر مخاطر إجازة هذا النوع من النكاح، ولكن ما حصل قد حصل للأسف الشديد ومع ذلك لم يزل بعضهم يؤيده!؟