تحت الشمس
الأدباء المفاليس المناحيس؟!
تعودت -منذ زمن طويل- أن أحبس نفسي ساعات من نهار، وأُخر من ليل في غرفة ليس فيها غير أكداس من الكتب القديمة والحديثة مع أكداس أُخر من الصحف والمجلات فوق مكتبي وتحته وإلى جانب مقعدي وخلفه وأسفل منه!!
وقد امتلأت الغرفة بروائح الأحبار وعفن الورق.. إلخ!!
وأزعم لنفسي -مع كل ذلك- أنني إنما أحبس نفسي في هذه الغرفة اللعينة، الساعات الطوال.. وإنما أدفن رأسي بين الكتب والصحف إنما أفعل ذلك، وغيره ليس إلا من أجل الثقافة، أو الاستنارة!!
* * *
ولكن الحقيقة ليست كذلك بالضبط.. أي أن احتباسي في هذه الغرفة، ودفن رأسي بين الأوراق القديمة المتهالكة أو الحديثة التي لا تزال طرية الحبر يعلق منها في يدي وأثوابي.. الحقيقة أنني إنما أفعل ذلك -في غير قليل من الأحيان- هربا من همومي الشخصية أو العائلية أو الاجتماعية.. أو خواء «الجيب» أو كثرة المطالب الحياتية إياها!!
أحبس نفسي في غرفتي اللعينة، وأدسّ رأسي بين مختلف الأوراق.. وأزعم لأهلي أو لمن سأل عني من الدائنين -مثلاً- أنني كنت مُستغرقاً في كتاب فلسفي رائع.. أو قراءة بحث أدبي غزير.. أو كنت أكتب رائعة من روائعي التي لا قبلها أو بعدها!!
ولكن الحقيقة هي أنني كثيراً ما ألوذ بهذه الغرفة وكتبها وأوراقها هرباً من نفسي، ومما يُلاحقني من بؤس!!
* * *
أما الثقافة فقد تحصل من دون هذا الحبس الطويل في تلك الغرفة اللعينة لكثرة ما فيها من مؤلفات، ومؤلفين من قديم الزمان وحديثه!!
* * *
أجل تلك هي الحقيقة، ولكنني أغالط نفسي على حد قول عمنا (المتنبي):
تصفو الحياة لجاهل أو لغافل
عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يُغالط في الحقائق نفسه
ويسومها طلب المحال فتطمع
فأنا -إذن أغالط نفسي في حقائق الدنيا، وأسومها -أي نفسي- طلب المحال بما أسميه التحصيل.. أو طلب المعرفة أو الثقافة، وليس ذلك غير الهروب من نفسي إلى نفسي!!
* * *
وكنت أظن أنني الوحيد كذلك من سائر القراء والكتاب والأدباء حتى عثرت اليوم -بالصدفة وحدها- على بيتين ساخرين للساخر الكبير (أحمد فارس الشدياق) يقول فيهما:
أنا الولي على كل المفاليس
وغرفتي زيي مزار للمناحيس
يأتي بهم زحل القوّاد سدتها
وثم تصرعهم ريح الكراريس
أي أن زوّاره المناحيس، المتاعيس.. لا يجدون عنده غير رائحة الكراريس والكتب والأوراق المكدسة!! أما أنا فلما قرأت ذلك طابت نفسي!!
ص.ب 35555 جدة 21498 فاكس 6208571
أضف تعليقك