فضل الكلاب... لدى بعض العرب!
قبل أكثر من ألف سنة، أصدر أبوبكر محمد بن خلف بن المرزبان، كتاباً طريفاً، عنونه بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، وكان يتحدث عن فساد الزمان، وانحدار أخلاقيات الناس، وخسة أخلاقهم، ولؤم طباعهم، وكان هذا الموقف الاحتجاجي لمؤلفه سنة 309 للهجرة في بغداد، تعبيراً عن تراجع القيم والمبادئ آنذاك، مما حدا بالمؤلف أن يجمع ما جاء في فضل الكلاب على بعض البشر، وما قيل عن فساد الزمان وأهله، على شكل كتاب يجسد فضل الكلاب، ويرى المؤلف (أن خير خصال الكلب الإخلاص والوفاء وعدم النفاق في المحبة، بينما استشرى النفاق والغدر والخيانة والخسة ودناءة الخلق لدى البعض) مستشهداً بعشرات القصص، التي تتناول ما أفسد الصديق حرمته، وقام الكلب لنصرته، أو كما قال أبوالحسن المدائني:
فيا عجبا للخل يهتك

لو عاش ابن المرزبان
في عصرنا لازداد
تمسكاً بكلابه

حرمتي
ويا عجباً للكلب كيف يصون!
على هامش قصص تراجيدية محزنة، يسوقها المؤلف، لمقاربة السلوك المنحرف لبعض البشر، والموقف الأخلاقي للكلب منها، في مقاربات طريفة، كما يستشهد الكاتب بقدر الكلب لدى العرب، من خلال ما جاء في خصال الكلب في الشعر والأمثال العربية، وتسمية بعض العرب لأبنائها بكليب وكلاب واكلب، تيمناً بوفاء الكلب وإخلاصه، وهي صورة مقلوبة عن السائدة في الثقافة العربية عن فصيلة الكلاب، كما يروي المؤلف؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أعرابياً يسوق كلباً، فقال ما هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين نعم الصاحب إن أعطيته شكر وإن منعته صبر، فقال عمر فاستمسك به، كما يروي المؤلف عن ابن عمر رضي الله عنه عندما رأى مع أعرابي كلباً فقال له ما معك، فقال من يشكرني ويكتم سري، فقال احتفظ بصاحبك، كناية على تبدل الناس، وانحسار المكارم لدى بعضهم، أو كما يقول ابن أبي طاهر:
حال عما عهدت ريب الزمان
واستحالة مودة الإخوان
واستوى الزمان في الخديعة والمكر
فكل لسان اثنان
وإذا كان بعض المصلحين العرب لا يطمح في المطالبة بمنظومة قيمية من المكارم، أساسها أخلاق الفارس العربي، ومروءته وشهامته التي اندثرت لدى البعض، إذ بات سقف المطالبة بقيم أساسية لبقاء الحضارات، سائدة في المجتمعات، مثل الأمانة والإخلاص والوفاء، هذه القيم التي فتتتها ماديات العصر، وقوضتها شهوانية النفوس، التي ابتعدت عن (خلق القرآن) وانغمست بسلوكيات تأنف منها النفس البشرية السوية، لتحقيق مصالحها الدنيوية، على حساب الدين، والقيم والشرف وأخلاق الفرسان. ولو عاش صاحبنا بن المرزبان حتى عصرنا الحاضر لازداد تمسكاً بكلابه، وهو يرى ما أصاب بعض أمة العرب، من أمراض أخلاقية مستعصية! alfirm@gmail.com