الجمود والزئبقية.. عيبان فكريان
رائد السمهوري
يدهشني بعض الفضلاء في طريقة تعاطيه مع النصوص، لا أعني نصوص الكتاب والسنة فهذا له شأن آخر وان كان الحديث عنه في غاية الأهمية، ولكنني أعني نصوص المفكرين والفلاسفة وأئمة الاسلام وفقهاء الدين بالدرجة الأولى؛ فتجده يهجم على النص هجوماً لا ينظر لا في سياقه ولا في سبب وروده ولا في الظروف التي قيل فيها، ويستورده من خلف القرون ليعمله في هذا العصر الذي يختلف كل الاختلاف في ظروفه وأحواله وعوائد أهله عن العصور السابقة، لا، بل ان التغيير الذي نشهده اليوم يجري سريعاً حتى لتظن أن بعض ما قيل قبل عقود لا يصح إعماله اليوم من آراء الفقهاء والمفكرين!.وكل يوم نسمع عن حادثة جديدة تقع لا يمكن حلها دون بذل جهود وإعمال فكر ودراسات مستفيضة أجدر أن تقوم بها مؤسسات المجتمع؛ فتفاجأ بأن حلها لا يتجاوز أن يكون مجرد استيراد لنص من نصوص أحد المفكرين، أو امام من أئمة الاسلام السابقين دون دراسة لنتائج هذه القضية وأثرها الاجتماعي والثقافي في عصرنا شديد التعقيد، متشابك العلائق.من صور الجمود التي نشهدها ما يمكن أن نسميه (النزعة التسليمية) و(النزعة التقريرية)، أما (النزعة التسليمية) فأعني بها قبول قول العالم أو المفكر دون وضعه على محك النقد، وتشريحه في معمل الفكر، فحسب المرء أن يقول في مسألة ـ أي مسألة ـ: قال فلان أو قال علان من فقهاء الاسلام ليكون قوله هو القول الفصل، حتى لتلحظ أنهم يتعاملون مع هذه الأقوال معاملة الدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة! فكأنها نص من نصوص الكتاب والسنة لا يجادل صاحبه فيه ولا يناقش ولا يرد عليه، ومن ردّ عليه فقد تقحم لجج الموبقات، وأردى نفسه في حفر المهالك!، هذا وهم يرددون كلمة الامام مالك رحمه الله: «كل يؤخذ من كلامه ويرد الا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم»، وهم يرددون: «باب الاجتهاد مفتوح الى يوم القيامة»، حتى اذا قال أحد رأيه أو ردّ قول عالم من علماء المسلمين سلفاً وخلفاً بالأدلة والبراهين أقيمت الدنيا ولم تقعد، وأصبح أكبر عيب في هذا الانسان المسكين أنه (ردّ) على فلان من العلماء القدماء أو المعاصرين!، ولا يحملن حاملٌ كلامي هذا على بعض طلبة العلم الشرعي فقط، فان النزعة التسليمية داء يصيب حتى بعض من يسمون أنفسهم (المتنورين)، فما الحل في نظرهم الا استيراد النماذج الغربية واسقاطها كما هي على عالمنا المختلف في كثير من جوانبه عن العالم الغربي، أذكر من ذلك مثالاً حكاه الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في كتابه الفذ (فيض الخاطر) حين ساق قصة أحد كبار رجال الأعمال المصريين وقد وقف في أوروبا على مصنع ناجح جداً، عمله هو تحويل الألبسة المستعملة الى خيوط من جديد، فلما رأى أنه مشروع مربح قلّد الفكرة نفسها في مصر، لكنه فشل فشلاً ذريعاً وهالته النتيجة! فلما فكّر في الأمر عرف موطن الخلل، وموطن الخلل هو أن الأوروبيين قوم ميسورو الحال فهم يتخلون عن ألبستهم المستعملة وفيها بقية حتى لتبدو أشبه بالجديدة، ثم ان أكثر ألبسة الأوروبيين فاخرة من الأساس خامة وصنعاً، بعكس اللباس المحلي في ذلك الوقت، ولهذا فشل المشروع فشلاً ذريعاً، فليس كل ما يفعله الغرب صالحاً لظروفنا وأوضاعنا، اني لا أجد فرقاً بين طالب العلم الذي يسوق أقوال العلماء مساق التسليم فيكفيه أن يقول: قال الشافعي، قال ابن حجر، قال القرضاوي مثلاً وبين المثقف الذي يقول: قال الفارابي، قال ابن سينا، قال أركون مثلاً، على سبيل التسليم والخضوع، فكلا الفريقين يقف على أرض واحدة!.
أما (النزعة التقريرية) فأعني بها التعامل مع مسائل الاجتهاد التي تقبل الخلاف تعاملنا مع القطعيات، وبينما يقول الامام الشافعي رحمه الله: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب»؛ نجد أصحاب هذه النزعة يقول قائلهم: «قولي صواب لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب»!، ليس شرطاً أن يقولوها بألسنتهم، لكن بأفعالهم وطريقة تعاملهم، فاذا المسألة الفرعية القابلة للاجتهاد واختلاف الآراء تضحي (وبقدرة قادر) مسألة من أصول الدين يرتّب عليها الولاء والبراء، والحب والمعاداة في الله حتى كأن المخالف فيها ارتكب فسقاً يسقط شهادته ويجرح في عدالته.النزعة التقريرية تجعل اليقين والجزم وسيلة للتعامل فيما حقه الظن والشك والترجيح، وأصحابها (التقريريون)، يتعاملون في حل المشكلات بهذه العقلية، فالمسألة هي هكذا لا تقبل قولاً آخر ولا رأياً مختلفاً، فقولهم قول، وحكمهم حكم، ورأيهم رأي، على منهج (ما أريكم الا ما أرى ولا أهديكم الا سبيل الرشاد)، بغض النظر عن المرجعية الفكرية أو الثقافية التي يتبناها هؤلاء، أو أولئك. أما العيب الفكري الآخر من عيوب التفكير فهو (الزئبقية)، وهي فيما يبدو لي نوعان؛ فنوع ناشئ كل النشوء عن ذلك الجمود وذلك التعصب يدفع صاحبه دفعاً للمراوغة والالتفاف ليثبت رأيه فيضع العربة أمام الحصان، والنتيجة قبل المقدمة، فاذا رددت عليه بحجة عقلية واضحة وبرهان ساطع، رد عليك بحجة لغوية! أو نقل لك قول عالم أو مفكر دون أن يبرهن على كلامه لا بحجة عقلية، ولا بنص شرعي، وربما وجدت أحدهم يأتي بالرأي الذي يستلزم لوازم خطيرة جدًّا، فاذا بيّنت ما ينتج عن هذا الرأي من تلك اللوزام رفع لك تلك القاعدة التي توظف توظيفاً سيئاً مع الأسف :« لازم القول ليس بقول، أو لازم المذهب ليس بمذهب»، اني أفهم بعقلي القاصر، ونظري الضعيف أن مؤدى هذه القاعدة ألا (أقوّل) الخصم ما لم يقله، فلا أفتري عليه وأنسب له ما يتبرأ منه، ـ وما أكثر هذا في كتب علم الكلام لمن فكر وتأمل وأنصف ـ، لكن حين يبيّن للخصم ما يؤدي اليه قوله من لوازم خطيرة، فلا بد له من أمرين: اما أن ينفي هذه الالزامات بحجج عقلية مقبولة تدفع تلك الالزامات؛ وحينئذ فلا سبيل الى اثباتها، واما أن تقام عليه الحجة ويعلم نتائج ما يقول؛ فاما أن ينكر هذه اللوازم وحينئذ فلا بد له من الرجوع عن ذلك الرأي الخطير الذي ارتآه، واما أن ينكرها مع اصراره على الرأي الذي يؤدي اليها، فاذا أصر فهو زئبقي، وهو متناقض، وان شنشن ودندن وردد: لازم المذهب ليس بمذهب! فكأن العبارة لم تقل الا ليستخدمها هذا الاستخدام.أما النوع الثاني من الزئبقية: فهو اللامنهجية! كل يوم برأي، وكل ساعة بمذهب، رأي لا يتفق مع الآخر، تطبق القاعدة هنا، لكنها لا تطبق هناك بلا حجة ولا دليل ولا وجه، ساعة يقول كذا، ثم ينقض قوله في الجملة نفسها، أو في الساعة نفسها، يقول القول ويفعل خلافه، أفكار مجموعة بلا زمام، مسوقة بلا خطام، هذا جائز اليوم ولكنه حرام غداً، هو في أقصى اليمين اليوم، ثم في أقصى اليسار غداً، هو متشدد جداً عند قوم، ولكنه متساهل جداً عند آخرين، يقول ما يرضي الناس لا ما يرضي الله ثم ضميره، ازدواجية واضطراب وعدم انسجام، هذه هي الزئبقية، ولست هاهنا أدعي الكمال ولا أبرئ نفسي من عيب من تلك العيوب غير أني أحب أن أبرأ منها أنا وكل ذي عقل يحترم نفسه.
Al_ablaj@hotmail.com