أفيـــــــاء
بين النظرية والتطبيق
تثار من حين لآخر قضية عدم تفاعل الطلاب مع ما يُقدم لهم في المدارس من تعليم أخلاقي وكيف أنهم برغم المقدار الكبير الذي يتلقونه من علوم الدين وما تحتوي عليه من قيم أخلاقية عالية اتسم بها الإسلام، يظلون في سلوكهم بعيدين عن الالتزام بشيء مما عُلّم لهم. فمازال كثير من الطلاب يستسهل الكذب ويستمرئ الغش ولا يرى ضيراً في الاعتداء على زملائه أو معلميه أو غير ذلك من أنواع السلوك غير القويم.
من المسؤول عن عدم تفاعل الطلاب مع ما يُطرح لهم في المدارس من قيم أخلاقية؟ أهو الطالب نفسه؟ أم هي طرائق التعليم المُطبقة؟ أم ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه الطلاب وينشأون على رضاعة ما يُمارس فيه من القيم والأخلاق؟
قبل أن نتسرع في الإجابة على هذا التساؤل، علينا أن نجول بأبصارنا لنرى ما يجري في زوايا المجتمع من نماذج السلوك السائدة، وكيف أنها في كثير من صورها تبدو على النقيض التام مما يُعلّم للطلاب في المدارس من قيم وأخلاق إسلامية.
في المدرسة يتعلم الطلاب أن الإسلام يحث على البساطة والبعد عن التبذير والإسراف والتكلف، لكنهم ما إن يغادروا أسوار المدرسة حتى تطوّقهم قيم التنافس على المظاهر والتباهي بالكثرة في الإنفاق في سرف بعيد عن كل حكمة.
في المدرسة يتعلم الطلاب عن عدالة الإسلام وما يكفله لاتباعه من مساواة وحرية وكرامة وحفظ للحقوق، لكنهم حين ينطلقون في دروب الحياة يُفاجأون بأن أمتهم مُهانة ومُكبلة بقيود الذل محرومة من كثير من الحقوق.
في المدرسة يتعلم الطلاب قيما دينية تدعو إلى البر بالأم والرفق بالزوجة والعطف على الأخت، ثم يُغادرون مدرستهم إلى الطريق ليجدوا مؤسسات المجتمع تلقنهم دروساً مغايرة عن امتهان المرأة والتمييز ضدها في ما يسنه بعضها من أنظمة وقوانين تظلم النساء.
في المدرسة يتعلم الطلاب أن الدين الإسلامي يُحرم الكذب والغش والخديعة، لكنهم حين يغادرون أسوار المدرسة يجدون من يتلقفهم ليلقنهم الكذب و(يُشرّع) لهم الخديعة حين يبيح لهم (الزواج بنية الطلاق) و(الزواج المسيار) حلا لمشكلاتهم الخاصة.
في المدرسة يتعلم الطلاب أن دينهم العظيم لا يُقيّم الفرد إلا من خلال تقواه، وأن التفاخر بالأنساب هو من التعصّب الجاهلي المقيت، لكنهم ما إن يغادروا أبواب مدرستهم حتى يجدوا المحاكم تفرّق بين المرء وزوجه بحجة اختلاف (مستويات) النسب، ويجدوا من يدافع عن ذلك ويرى في مراعاة تكافؤ الأنساب عند الزواج ضرورة يقتضيها العرف العام.
وبعد هذا، من نلوم إن لم يتخلّق الطلاب بما يُدرّس لهم من قيم الخلق الإسلامي؟ هل نلوم الطلاب، أم المعلمين، أم المجتمع؟
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك