الى طالب في الثانوية
في اليوم القديم كان قلبي يدق طبول الفرح معلنا قدومك الى الدنيا وكان لساني يردد عبارة واحدة مرات عدة (الله يبارك فيك) اما فكري فقد كان يرسم ملامح ايامك المستقبلية, فقد كنت اريد ان احدد مدرستك وفصلك واصدقاءك. كانت مشاعري تبني سياجا من الخوف عليك, الخوف عليك من ذرات الهواء, لانك لست الا قرة عيني, وفلذة كبدي, فأنت قبل كل شيء ولدي. وبعد ذلك ترسبت محارة الاعوام على لؤلؤة حياتك فغدوت شابا يافعا واشتد عودك كاشتداد خيوط الفضة في شعري الذي امتد الى منتصف رأسي بعدما كان يغازل غرة جبيني. وعندما وصل قطار دراستك الى آخر محطة من محطات الثانوية العامة تحولت اسئلة المجاملة من نوع (في أي صف انت يابطل) الى نوع اخر من الاسئلة (ماذا تحب ان تدرس في الجامعة), اجبتك يابني من دون ان تسألني.. لك يابني حرية الاختيار, فانت الذي سوف تدرس وتعمل ولست انا, فكان ردك الصمت.. لم تجبني ولم تسألني.
ولكنك لم تعلم يا ابني ان جدك كان يتمنى ان يراني طبيبا وترك لي حرية الاختيار فلم احقق له هذه الامنية.. ولم تعلم يا ابني كم حلمت برؤيتك ترتدي ذلك المعطف الابيض الملائكي تزينه بطاقة صغيرة مدون عليها اسمك اولا يليه اسمي ثانيا يسبق ذلك حرف الدال.. وحرف الدال هنا لا يرمز الى كلمة دكتور.. ولكنه يرمز الى كلمة دنياي ودنيتي وورود عمري وبسمة ايامي.. حرف الدال هذا يرمز الى كلمة دمي الذي يحمل عشقي لأناملك الصغيرة في كل اوردة جسدي وشرايين فؤادي.. حرف الدال يرمز الى دموعي التي سكبتها مقلتي من خوفي ومحبتي وعطفي وحناني عليك.. حرف الدال هذا يرمز الى دولة علمك.. الذي انهكني الدوام الوظيفي كي احصل في اخر كل شهر على ثمن حجر اساس واحد ابني فيه مباني وابراج دولتك.. هذا الدال لا يرمز لي بشئ.. فهو يسبق اسمك ويدل عليك وان دل على فسيقول الناس احسن اباه تربيته ولن يقولوا حتى اسمي.
هذا الدال ليس هو فقط دليل التفوق والتميز الوحيد.. ولكنه كان حلما نسجت خيوطه في مخيلتي بينما كانت والدتك تنسج خيوط اول غطاء لك وانت رضيع بين يديها..
فان احببت كلماتي هذه.. هذ المقص واجعل هذه القصاصة امام مكتبك الدراسي الصغير كي تكون وقودا لطموحك وآمالك.
وان لم تحب كلماتي هذه فاعتبرني اسررت لك بمكنونات صدري في هذه الدقيقة كما يتسامر الاصدقاء, فأنت صديقي ياولدي, ولكن اتدري مازلت اراك رضيعا واحب ان اضمك الى صدري دوما مهما كبرت.. ياولدي.
د. ليندا فؤاد