هل اختبر أحدكم الشعور يوماً بأنه يود لو ارتدى حذاءه على رأسه بدل قدميه «أجلكم الله»! أنا اختبرت هذا الشعور في كل مرة أضطر فيها لأن «يُمرمطني» موظف إحدى الدوائر الحكومية، حُقن بالبيروقراطية فتشربها من الوريد إلى الوريد، لأخبط مشاوير «رايح جاي» لا أفهم ولا يفهم هو لماذا يضطر لأن يرزأني بكل هذه المشاوير لأسابيع وأسابيع، على حساب وقته، ووقتي، ووقت مواطن آخر أولى بكل هذا الوقت الضائع، عدا أن صاحبنا أو غيره يريد إيهامنا بأهميته أو أهمية العمل الذي يؤديه، علما بأننا ندرك أهمية كل موظف وكل مسؤول، وأهمية كل قطاع خدمي، المواطن في حاجة له، إلا أنها مركبات النقص وعقد و«كلاكيع» البيروقراطية التي استشرت في جسد كل الدوائر الحكومية للأسف الشديد. آخر مرة اختبرت هذا الشعور الغريب كانت طيلة الشهر الماضي وحتى لحظة كتابة هذا المقال، عندما تعرضت سيارتي لحادث بسيط أثناء وقوفها في مواقف المؤسسة، وأنا في مكتبي «في أمان الله» عندما أخبرني زميل بأنه صدمها «جزاه الله خيراً».. اتصلنا بالمرور وباشرت الدورية

وجدت «مشرف» مناوباً فحوّلني إلى «سعيد» الذي تغيّر دوامه ورحت أدور في «بيت جحا»

الحادث بعد صبر طويل، وما أدراكم ما معنى أن تباشر دورية مرور الحادث.. فهم عادة يعلمونك الصبر والانتظار أكثر مما تعلمك إياه رياضة صيد السمك. المهم كتب رجل المرور تقريره، وقدر نسبة الخطأ على صاحبنا «100%»، وليته لم يكتبه، فبهذه النسبة بدأت رحلة شقائي مع قسم مرور الشرق، بينما صاحبي ينعم برغد العيش فسيارته لم تتأثر، وتأمين رخصته يعفيه من كل العناء الذي تكبدته، علاوة على بابين معطوبين في سيارتي، تكبدت عناء الركض بين مكاتب القسم حتى تدلى لساني إلى سرتي، فمحمد أرسلني إلى سعيد، الذي أرسلني بدوره إلى مشرف، فأرسلني إلى المدير، الذي أشر على معاملتي لأحمد، الذي «مغط بي» إلى شيخ الورش في الصناعية، وهذا الأخير لديه «مصري» يُقدر الأضرار.. لسوء حظي فعند وصول دوري أشعل هذا سيجارته و«حلف مية يمين» ما يخلصني ويقول: «يا عم سيبني أخلص السيجارة وأروح أعبد الله وبعدين أخلصك».. وفشلت كل محاولاتي في إقناعه بأن الله لنا جميعاً وأنني أعبده كما يعبده هو، وأن العمل عبادة أهم عند الله بكثير من تدخين سيجارته، ولكن «راسه وألف سيف» إلا يمشّي كلامه، وفي الأخير مشى كلامه، وعدت إلى قسم المرور فوجدت مشرف مناوباً، فرفض بدوره النظر في أوراقي، لأن موضوعي عند سعيد، وهذا الأخير تغير دوامه من المساء إلى الصباح، وهكذا أنا أدور في دوامة وكأني في «بيت جحا» ومن كثرة المشاوير التي قطعتها طيلة ما يزيد على ثلاثة أسابيع دون أن أفهم ما هو الذنب الذي جنيته لأعاقب عليه بهذا الشكل، شعرت أن عقلي سقط من رأسي إلى قدمي، فلم أتمالك نفسي أن رفعت يدي بالدعاء إلى الله عز وجل: «اللهم إني أسألك بكامل قدرتك وعظيم سلطانك أن تجعلني في الحادث القادم مخطئاً 100%، وأن تجعلني أتبلّى سيارات خلقك إن كنت ولابد صادماً، لأنعم بنعمة التأمين والفكاك من أقسام المرور.. اللهم سخر لي عبداً من عبادك في قسم مرور الشرق يمن عليّ بورقة إصلاح صفراء، سال لها لعابي كل مرة رأيت غيري يفوز بها.. اللهم إني عبدك وابن أمتك ماضٍ فيّ حكمك.. عدل في قضاؤك.. فارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين».
m_harbi999@hotmail.com