على خفيف
عندي وعندك.. الخير
كان الرجل في ما مضى من زمن إذا ما أقبل على صديق أو جار أو قريب فإنه يهش ويبش له ويقول مداعباً بعد أن يقدم له واجب الضيافة الذي قد لا يزيد على كوب ماء بارد أو فنجان قهوة أو شاي أو قطعة بسكويت أو صحن «فصفص»، يقول له مداعباً إياه: هات ما عندك، ويكون الجواب عادة بعبارة: عندي وعندك الخير!، قبل أن يبدأ القادم في سرد ما لديه من حديث أو طلب أو يُفهم جليسه أنه جاء إليه للسلام عليه ويتبادل أطراف الحديث لا أكثر ولا أقل!
وقد تأملت في عبارة عندي وعندك الخير فوجدتها عبارة متفائلة جميلة الطلعة رضية المحيا، لاسيما أنها تحمل معاني الحمد والشكر والقناعة والرضا بما قسم الله، خاصة عندما يكون قائلها رقيق الحال أو محدود الدخل، ومع ذلك فإنه يقول عبارته المتفائلة لمن يسأله عن أحواله مبتدئاً بها حديثه عن نفسه أو عن أمر من أمور الدنيا، وأرى أن قائلي هذه العبارة يملكون بين جوانحهم نفوساً طيبة وأن مثل هذه العبارة الحسنة لا تجري إلا على ألسنة الأخيار من الناس إن هم قالوها مُعتقدين بها وبمعناها الجميل الطيب.
لقد جاءنا زمن أصبح فيه الفقير يشكو من سوء أحواله والغنى يشكو من سوء مآله ومن هو بين بين يشكو أيضاً من عدم التوفيق في حياته وأمسى الذين يحمدون الله على ما هم فيه أقل من القليل، وبعضهم يكون في صحة وعافية وخير ونعمة، ولكنه يدّعي أمام الناس المرض والفقر والتعاسة، خوفاً من عيون الحاسدين، وأضحى بعض الناس يخشى إن هو قابل صديقاً أو قريباً، أن يسأله عن أحواله، أو ماذا عنده لأن السائل لا يتوقع من ذلك الصديق أو القريب أن يكون جوابه: عندي وعندك الخير، بل إن ما يتوقعه، بناء على تجارب سابقة مؤلمة أن يفتح عليه سؤاله نار الكلام وقذائف الثرثرة والشكاوى المرة من الزوج والأطفال والرئيس في العمل والجيران وأولاد حارتهم والمعاناة من الدوائر الحكومية وأحوال القضاء والمحاكم والبطالة والشباب والانحراف وغيرها من الأمور المتداخلة المتفاقمة الخاصة والعامة، حتى يكاد السامع يقول للمتحدث: اسكت.. عسالك باللِّوز!
والحاصل أن تلك العبارة المتفائلة الجميلة: عندي وعندك الخير لم تعد متداولة على نطاق واسع بين الناس وأصبح معظم الأحياء ممن ينطبق عليه قول الشاعر:
كل من لاقيت يشكو دهره
ليت شعري هذه الدنيا لمن؟!
أضف تعليقك