بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
لا ثوابت عندهم
أذكر بعد عودتي من باريس سألني بعض الأصدقاء عن سبب العودة السريعة فكان أن رددت عليهم قائلاً: وماذا أجلس أفعل فيها! لقد قرفت منها بعد ساعات من وصولي إليها وأصبت بالقرف والاكتئاب! إنها مدينة كئيبة مقرفة. خالية من المناضلين، ومن القادة البارزين والمهمين، ومن المنجزات العظيمة، رجال الشرطة فيها مايعون، تحرشت بأحدهم آخر الليل تحرشاً ثورياً وبدلاً أن يقبض عليَّ بتهمة التحرش الثوري ابتسم لي بميوعة، فضلاً عن أنني كلما فتحت الإذاعة أو شاهدت التلفاز لم أسمع أناشيد أو قصائد تتغنى بالثورة والمنجزات الثورية، ومع أن الثورة الفرنسية أول وأهم ثورة في العالم. إلا أني لم أر مارد الثورة. وقلت لهم إن باريس رغم أهميتها كعاصمة عالمية إلا أنها تخلو من المنجزات المهمة باستثناء مسمار ضخم ركزوه في إحدى الساحات وأطلقوا عليه اسم «برج إيفل» ومتحف اسمه «اللوفر» يكتظ بالآثار العربية المسروقة وبلوحات منهوبة أشهرها «الموناليزا» وهي لوحة تافهة لكن الإعلام الامبريالي الفرنسي سلّط عليها الكثير من الأضواء وأحاطها بالدعاية وبكاميرات المراقبة. ولو أن الأضواء والكاميرات التي سُلطت عليها سُلطت على لوحة رسمها قرد بذيله ولونها بمخلفاته لغدت أكثر شهرة من «الموناليزا» أو من لوحة «غرينيكا» لـ«بيكاسو».
غير أن أكثر شيء جعلني أقرف من باريس ولا أثبت فيها أنه لا أحد هناك يتحدث عن أهمية التمسك بالثوابت الوطنية لهذا تجد الناس يركضون بلا ثوابت ولا كوابح ولا حواجز ولا موانع. وهم بسبب عدم تمسكهم بالثوابت واحترامهم لها لا يُوقفون أي غريب ليتثبتوا من شخصيته ومن هويته ولا يتوقفون حتى لرد السلام عليه.
إنهم على عجلة من أمرهم لا مبادئ لهم ليثبتوا عندها، ولا قيم ليتمسكوا بها، ولا مواقف باستثناء مواقف الباصات والقطارات ومحطات المترو حيث يتوقفون لدقائق ثم ينطلقون ولا تدري إلى أين!
أضف تعليقك