مع الفجر
أين مجمع الفقه من حرب الفتاوى ؟
أثار الأستاذ أحمد الربعي في ما كتبه في «الشرق الأوسط» بالعدد 10337 قضية تضارب الفتاوى في أهم القضايا التي تواجه المسلم اليوم بما افتتح به مقاله بما نصه: «كان الله في عون المواطن المسلم البسيط، فهو ضحية لفتاوى دينية متعارضة به ومتناقضة، وكلها تدعي وصلاً بليلى». والواقع أنها مشكلة معقدة خاصة بعدما أباح بعض طلاب العلم لأنفسهم الإفتاء في أهم القضايا وأشدها حساسية عبر القنوات الفضائية وبعض المجلات والملاحق الصحفية متجاوزين الأئمة الكبار، الكبار فعلاً وبمقامهم الذي بلغوه بما لديهم من علم لم يصل لعشر معشاره الذين يتعاطون الافتاء لملء أوقات الفضائيات وبعض صفحات الملاحق الدينية بالصحف والمجلات. فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كما قال أبوزرعة: «كان يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب».. وقيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ قال: أحمد بن حنبل. حزرت كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر جملاً وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلب».. ومع ذلك فقد كان رحمه الله يتروى في الفتيا، ومما قال: «ثلاثة كتب ليس لها أصول، المغازي، والملاحم، والتفسير. ومن لم يجمع علم الحديث وكثرة طرقها فلا يحل له الحكم على الحديث ولا الفتيا فيه». وفي ما روي عن الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله أنه قال: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون بأني أهل لذلك، وما أجبت في الفتيا حتى سألت من هو أعلم مني». وحكى الحميدي في جذوة المقتبس عن القعنبي قال: «دخلت على مالك رحمه الله في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبدالله ما يُبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني، والله لوددت أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة في ما سبقت إليه، وليتني لم أفت برأيي». كما روى عمرو بن زيد -وهو شيخ من أهل مصر وصديق لمالك- قال: «قلت لمالك: يا أبا عبدالله يأتيك ناس من بلدان شتى قد أنضوا مطاياهم، يسألونك عما جعل الله عندك من العلم، وأنت تقول لهم: لا أدري!! فقال: يا عبدالله يأتيني الشامي، من شامه، والعراقي من عراقه، والمصري من مصره، فيسألونني عن الشيء لعلي أن يبدو لي فيه غير ما أجيب به، فأين أجدهم». أرأيتم إلى أي حد يبلغ الحذر بالأئمة عند الافتاء في الوقت الذي نقرأ ونسمع لفتية ليس عندهم من العلم إلا أقله ومع ذلك يحللون ويحرمون، دون أن نسمع من مجمع الفقه في رابطة العالم الإسلامي التي تكتفي من النشاط بالاجتماع السنوي الذي يبحث قضايا لا علاقة لها بالعصر وقضاياه. إن المطلوب من مجمع الفقه في منظمة العالم الإسلامي وكذا رابطة العالم الإسلامي أن يجندا أهل العلم للافتاء في ما يواجه الناس من قضايا كالتي أشار إليها الأستاذ أحمد الربعي في ختام مقاله الذي أشرت إليه في مستهل حديثي إذ يقول:
«مسكين الإنسان المسلم المعاصر كيف يربي أسرته في ظل التناقضات في الفتاوى والاجتهادات، كيف يدير أمواله في ظل اعتقاد مراجع إسلامية مهمة أن البنوك التجارية ليست ربوية، في وقت تحرم مراجع دينية مهمة أيضاً التعامل مع ما تسميه البنوك الربوية!! كيف يقضي أوقات فراغه، كيف يسافر، فهناك من يحرم السفر إلى الدول «الكافرة» إلا للضرورة القصوى، وهناك من يحلل الاستماع إلى الموسيقى وهناك من يعتبر ذلك من المنكرات وكلها مراجع مهمة وكلها تعتقد أنها تستند مرجعيتها من كتاب الله وسنة نبيه».
إنها بعض ما يواجه المسلم من قضايا جدير برابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه بالمنظمة أن يكثفا جهد أهل العلم للقول الفصل.. فهل إلى ذلك من سبيل؟
أضف تعليقك