بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
امرأة بملابس الشرطة
زرت باريس مرتين، وفي كلتا الزيارتين لفت انتباهي شيء واحد،. وهو خلو باريس من الرجال «العظام» والشخصيات الوطنية المهمة، خلوها من «القادة البارزين» ومن المناضلين والمسؤولين المهمين.. إذ طوال بقائي هناك لم أر موكباً لمسؤول أو مناضل! لم يحدث أن مر أحدهم بموكب من السيارات تتقدمه «الونانات» تشق له الطريق وتفرغ له الشوارع وتهشّ المارة من أمامه كالذباب، وتخترق قوانين وأنظمة السير وإشارات المرور، ومن خلفه الصوالين معبأة بالجنود والحرس المدججين بالرشاشات والآليات والقنابل، وقلت لنفسي: هل يعقل أن تكون هذه باريس عاصمة النور والفن وأجمل عواصم العالم! وإذا كانت هي ذاتها باريس فأين هم الثوار، أين هم المناضلون! وقادة الأحزاب وأعضاء مجلس النواب!. أين هي العقول التي انجزت كل هذه الحضارة، أين العلماء وقادة الفكر والفن وأين هي مواكبهم! ألا يوجد من الفرنسيين شخص مهم! وفيما كنت ارتشف القهوة في أحد مقاهي «الشانزليزيه» مرَّ أحدهم بسيارة صغيرة أصغر من سيارتي المكسرة التي صادرتها الحكومة اليمنية تطبيقاً لقانون الإصلاح المالي والإداري.
قال صديقي: هل تعرف من هذا الذي مر الآن من أمامنا! قلت: من يكون! قال: هذا وزير الصناعة الفرنسي. قلت مستفزاً: وزير الصناعة ويمشي بهذه السيارة التي تشبه علبة الكبريت! وكمان لوحده وبدون حرس ولا موكب! أبداً. هذا باين عليه وزير معتوه ولا أهمية له. ولو أنه بأهمية وزير «الصياعة» في أي بلد ثوري مقاوم لتحركت أمامه دبابة وخلفه مصفحة، وحلقت فوق رأسه طائرة هليكوبتر تهش له الطيور في السماء. وبعد منتصف الليل وأنا أتسكع لوحدي في الشوارع، شعرت بالقرف من هذه المدينة التي اسمها باريس. وعندما لمحت شرطياً على بعد أمتار مني رحت أصرخ فيه متحدياً بهستيريا أين أنتم أيها الشرطة! أين حواجزكم ونقاط تفتيشكم، لماذا لا تقترب مني وتتشممني وتقبض عليّ أو على الأقل تسأل من أنا! ولماذا أنا هنا في هذه الساعة؟ وتطلب مني إبراز جوازي أو بطاقتي وتسأل عن هويتي! ألست شرطياً ومهمتك المحافظة على الأمن! لكن الشرطي ابتسم لي ابتسامة بلهاء فيها ميوعة استفزتني أكثر. فكرت أن أصفعه لكني بدلاً من ذلك شتمته بيني وبين نفسي وقلت: هذا ليس بشرطي إنه امرأة بملابس الشرطة.
أضف تعليقك