الفساد.. شكل من أشكال الخيانة
في مقال الأسبوع الماضي، عددت أهم أشكال الفساد الإداري الذي تعاني منه الدول المختلفة، اليوم أركز حديثي على أحد أهم تلك الأشكال التي تعاني منها الدول النامية بالذات، وأعني به استخدام العلاقات الشخصية عند التعيين في الوظائف العامة، هذه العلاقات قد تستند إلى القرابة أو الصداقة أو الانتماء القبلي أو الرغبة في المجاملة أو رد الجميل أو تبادل المصالح أو غير ذلك، مما يؤدي إلى تعيين غير الأكفاء أو عدم تعيين الأكفأ بشكل أدق.
يحدث هذا في الغالب بسبب سوء استخدام السلطة عند كثير من القياديين في المستويات الإدارية المختلفة، مما يتسبب في ضعف الأداء الذي ابتُليت به معظم الإدارات العامة في الدول النامية التي تفتقد إلى الاختيار الجيد المبني على الكفاءة والموضوعية.
بالطبع هناك عدة أمور تترتب على اختيار الموظفين استنادا إلى العلاقات الشخصية أهمها:
- التأثيرات السلبية التي تنعكس على جهة العمل بسبب سوء الاختيار مما يؤدي إلى تعطل برامج التنمية وفشلها على المدى القصير والمدى الطويل.
- إضاعة فرص التعيين على الكفاءات المؤهلة لشغل مثل تلك الوظائف وإهدارها بعدم الاستفادة منها.
- عدم المواءمة بين قدرات ومهارات الشخص المعين – هذا إذا افترضنا توفر أي منهما لديه - وبين متطلبات الوظيفة التي يشغلها مما يعيق تحقيق

هل نسأل أنفسنا: كم مرة سقطنا في خيانة الله ورسوله؟!

الأهداف المطلوبة.
- عدم اهتمام أولئك الموظفين بالتطوير أو الحرص على تنمية الذات استنادا إلى تأكدهم من استمرارهم في وظائفهم بغض النظر عن مستوى كفاءتهم.
- شعور الموظفين من تلك الفئة بالفوقية والتعالي على زملائهم مما يؤدي إلى نشوء التكتلات والتحزبات المختلفة.
- زيادة الشعور بعدم الرضا لدى الموظفين الآخرين بناء على المحاباة التي تتمتع بها تلك الفئة وحصولها على الكثير من الاستثناءات إضافة إلى تقييم أدائها غير الموضوعي مما يزيد من حجم الهوة التي تفصل بين الفئتين ويعمق الخلافات والانقسامات.
لقد هالني ما تلقيته من تعقيبات ورسائل ردا على مقال الأسبوع الماضي، فلقد جاء معظمها يحكي بشكل أو بآخر عن نماذج لسوء الاختيار واعتماد الواسطة والعلاقات الشخصية في التعيين وما ترتب على كل ذلك من قصور في الإنجاز وضعف في الأداء، خاصة أن سوء الأداء لا يقف عند حد الموظف المقصر وحده بل يمتد إلى العاملين معه وحتى العاملين بعيدا عنه - كما تقول التعقيبات - بسبب ما يعكسه وجود هذه الحالات داخل الأجهزة العامة من افتقاد للموضوعية وانعدام للعدالة وانتشار للمحسوبية، كما أشارت بعض الحالات الصارخة التي تلقيتها إلى أن كثيرين من القياديين في بعض الإدارات يحجزون الوظائف لأقاربهم بالرغم من عدم حصول بعضهم على المؤهل العلمي المطلوب بعد، كما أن بعضهم يعين الأقارب أو المعارف حتى لو لم تتوفر فيهم الشروط المعلن عنها في الوظيفة، وقد يُعلن عن الوظيفة صوريا وتُهمل الملفات المقدمة جميعها ليتم تعيين شخص بعينه، أو يتم التعيين دون الإعلان عن الوظيفة للعامة، بل إن مسؤول إحدى الكليات العلمية المرموقة في إحدى جامعات المملكة عين قريبه على وظيفة «معيد» وهو يدرس في الخارج دون أن يحضر ذلك الشخص للمباشرة أو لقضاء المدة المقررة في العمل قبل السفر، فيما تُؤخذ وظائف من إدارات إلى إدارات أخرى لا تخصها حتى يتم تعيين القريب عليها ثم يتم تحويله لاحقا، إلى آخر أساليب الفساد التي يحاول كل فرد فيها أن (يهبر) قدر إمكانه قبل أن يغادر موقعه ليحقق أكبر قدر من مصالحه الشخصية.
لقد نبهنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن من عيّن شخصاً وكان هناك أكفأ منه فقد خان الله والأمانة والرسول، لاحظوا أنه لم يقل كفؤاً وغير كفؤ بل افترض الكفاءة ومع ذلك فقد أشار إلى أن مجرد وجود شخص أكثر كفاءة يوقع الذنب على ذلك المسؤول لأنه لم يتحر ويبحث عن الأفضل والأجدر، فهل بإمكان كل منا أن يسأل نفسه ولو سرا كم مرة خان الله والأمانة والرسول؟؟
فاكس 6401574
E_Halawani@hotmail.com