الغيرة والخشية من المستقبل .. سر تخوف «السيدة الاولى»
تعدد الزوجات .. من عدالة التشريع إلى ظلم التطبيق
سعيد الباحص (الدمام)
كثرت التعقيدات التي طرأت على المفاهيم الاسلامية مما جعلها تبحث عن اعادة لروح الدين ومفاهيمه التي فهمت خطأ او جاءت في زمن قصر فيه الفهم وتخلفت الرؤية عن المراد. هل اخذت المجتمعات على عاتقها وكرست جهودها لفرض رؤية تغير بها جمال الشرائع الدينية حسب الأهواء وما تمليه الأصوات لتأخذ بذلك منحى تعبر به عن الدين؟
تعدد الزوجات قضية اجتماعية نقف عندها لنبحث عن مكنونات الحكمة الالهية والمراد الشرعي منها لنصل ولو الى عدد من الآراء التي تجلّي لنا وجه الحقيقة من عدة جوانب، الجانب الشرعي والاصول النفسية والاجتماعية.
بسؤالنا عن مفهوم التعدد اجاب الشيخ خالد بن علي المشيقح استاذ الشريعة بجامعة القصيم بأن مفهوم التعدد النظري والعملي هو ان يتزوج المسلم بأكثر من زوجة كماقال عز وجل (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم.
ويرى المشيقح ان التعدد هو الاصل وليس الافراد خلافاً لما ذهب اليه فقهاء الحنابلة من ان الأصل هو الأفراد.
ويقسّم المشيقح اسباب التعدد الى ديني وهو اتباع السنة والسنية في الزواج اصبح من مجرد الاباحة. وعلى حسب رأيه قدم الله التعدد في القرآن في قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ماملكت ايمانكم) وسبب اجتماعي وهو الضرورة لمن كانت زوجته عقيماً او مريضة او تعجز عن القيام بحقوقه. ولما في التعدد من كفالة النساء وتكثير الأمة وحفظ النوع الانساني ومصالح كثيرة منها تحصين الرجل الذي يعاني من شدة الرغبة في النساء.
ويتفق الشيخ موسى بن حسن ميّان عضو الدعوة والارشاد بالمدينة المنورة مع المشيقح في مفهوم التعدد وان التعدد هو الاصل ويضيف بأن الاباحة في التعدد مقترن بتحقيق العدل ومن علم من نفسه عدم العدل فلا يقدم على الظلم لأنه يقع بإقدامه على الحرام وهو الظلم واكدّ بأن الضوابط التي يضبط بها التعدد الا يزيد المسلم عن اربع زوجات واذا طلق احداهن فلا يتزوج الا بعد خروجها من العدة وان يعدل بين النساء ولا يحيف واذا خاف الحيف فعليه الحذر من عقاب الله، والعدل بين النساء - يقول ميّان - في القسم بالنسبة للمبيت والنفقة والتعامل بينهم بأسلوب طيب وحسن عشرة دون تفريق الا في المحبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك).
وضوابط التعدد كما يذكر المشيقح اثنان العدل والقدرة المالية والبدنية.
وحول تشويه صورة التعدد في المجتمعات يقول: ما أباحه الله عز وجل وشرعه وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وسنّه فالواجب ان نحسن النظرة اليه ولا نسيئها. اما سبب هذه النظرة السيئة فمن خلال الاستقراء والنظر في واقع الناس فهي اسباب كثيرة منها ما يتعلق بالاعلام وما تطرحه الافلام والمسلسلات. وهناك طبائع النساء من الغيرة وامثالها، ويوجّه المشيقح للإعلاميين والصحفيين نداءً بإبراز التعدد ومصالحه الكثيرة.
ومن أسباب تشويه صورة التعدد كما يرى فضيلته ميل الرجل الى بعض نسائه دون بعض وعدم العدل بينهن وكذلك تكالب المجتمع على الانسان المتعدد وكأنه مجرم ما يؤدي الى تشويش الزوجات وإفشال التعدد والحكمة منه.
ومن الجانب النفسي يرى الدكتور محيي القرني اخصائي الطب النفسي ومدير مستشفى الصحة النفسية بالباحة ان المسؤول على تشويه صورة التعدد هم اعداء الاسلام فيعتبرونه وحشية وشهوة جامحة وظلماً صريحاً للمرأة وانتقاصاً لحقها واهانة لكرامتها.
ويتساءل الدكتور القرني: كيف يعادون التعدد وهو في الحقيقة الذي يحفظ للمرأة كرامتها ويغّذي انوثتها ويكسبها العفة العفة بالحلال وفي نفس الوقت يسمحون بالبغاء وأن يتخذ الرجل امرأة مؤقتة لاشباع شهوته ثم بعد ذلك يقذف بها في الشارع بعد قضاء وطره منها دون احترام او كرامة او مراعاة لمشاعرها، واشار الى ان التعدد ليس جريمة في حق المجتمع او المرأة كما يعتقد الغربيون وانما رخصّة الاسلام وشرعه الله بشروطه وضوابطه المعروفة.
وانتشار فكرة التجريم لمشروع التعدد في المجتمعات يعتبرها الدكتور محمد بن عبدالله الشاووش مدير الصحة النفسية بجدة والاستشاري النفسي نظرة سائدة لأن التعدد مهما كانت اسبابه مناف للفكر الحالي والواقع الثقافي، ليظل في اذهان الناس ان الحكم بالاطلاق والعموم دون النظر الى التفاصيل والجزئيات وهذه احدى الصفات النفسية للمجتمع العربي.
فالحكم بالاطلاق خلل واضح ينصف الناس في خانة واحدة ولذلك يجب ان تكون النظرة تحليلية عميقة متأنية وعقلانية وتنظر الى الايجابيات والسلبيات بشكل متزن، مضيفاً الى ان التعدد وان كان مبرراً فلا يجب ان يكون جريمة او ذنباً او مشكلة اجتماعية كما يصورها البعض، كما انه لا يجب في المقابل تسطيح المشكلة وجعلها مسألة مطلقة الابعاد فيستغلها الذكور بطريقة غير ناضجة دون الاحساس بالزوجة الاولى او الأولاد او الأسرة ككل.
ومن هذا المنطلق يقول الدكتور القرني: التعدد بدون سبب واضح وهدف سام وترتيب مسبق وحاجة ملحة او دون مقدرة من النواحي المالية والصحية يجلب لصاحبه في اغلب الاحيان المشكلات المستمرة ويخلق نوعاً من عدم التوازن الاسري كما يؤدي الى اضطرابات عائلية وتشتيت للأسرة بالاضافة الى الصعوبات المالية مما قد ينعكس بآثار سلبية في المستقبل على أفراد الاسرة بأكملها.
ويوصي الدكتور الشاووش قائلاً: اعتقد ان من المناسب لمن تنطبق عليه معايير الزواج الثاني ان يوم الوضع الاسري والزوجي من المتخصصين في الطب النفسي والعلاج الاسري فلربما كانت هناك أسباب واهية يمكن التعامل معها ولربما استطاع المعالجون اصلاح الأسرة دون الحاجة للتعدد واذا استحال الأمر فإن التعدد أمر مشروع لتخفيف الأعباء النفسية. وينبّه المشيقح الى الزعم بأن التعدد ينتج عن آثار نفسية قائلاً: لا اوافق على هذا الرأي اطلاقاً لأن هذا شىء شرعه الله سبحانه وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان عنده قدرة فما شرعه الله ونبيه فيه المصلحة والحكمة ولكن الآثار السلبية تنتج من السلوكيات الخاطئة التي تحدث عند وجود التعدد فليس التعدد يؤدي الى هذه الاشياء النفسية.
ولا ينكر الدكتور الشاووش آثار التعدد على الزوجة الاولى خصوصاً في هذا الزمان حيث يقول: والحقيقة ان الزمن الحالي ومسألة تعدد الزوجات امر له تبعات وآثار نفسية واجتماعية كبيرة خصوصاً على الزوجة الاولى والأبناء واستقرارهم النفسي، بل ان ذلك يؤثر تأثيراً واضحاً على تماسك الاسرة والثقة المتبادلة ويفرز سلوكيات حب الانتقام ويشكل عبأً نفسياً كبيراً على الزوجة الاولى والابناء فيجعلهم في نظر الآخرين اما محل تقليل وازدراء واما محل شفقة وكلا الحالتين لها تبعاتها النفسية والاجتماعية اما في الماضي فيرى الشاووش ان الأمر مختلف حيث كانت صورة التعدد تعتبر امراً عادياً فلا يخل بالصورة النفسية الفردية او المكانة الاجتماعية الى ان خلقت الثقافة الجديدة وهي اعتبار تعدد الزوجات امراً غير مقبول اجتماعياً. وأشار الشاوش الى مسلسل الحاج متولي الذي اثار قضية تعدد الزوجات واثار جدلاً كبيراً حيث ابرزها المسلسل على انها قضية بسيطة (سهلة) فأثارت حرباً من السياسيين ودعاة تحرير المرأة ومن يقال عنهم المثقفون الكتاب وعلى حدّ قول الشاووش فإن الاعتقاد بحرمة التعدد تروج له المجتمعات النسائية بطريقة واضحة لأن الأمر يعتبر في نظرهن مساساً بحقوقهم.