من جديد اسأل عن الماضي
لقد ضاقت النفس ذرعا بذلك الضجيج المزعج، وملت العين النظر لوجوه لا تعرفها، زحام في كل مكان، هواء تشبع بعوادم سيارات يكاد يفوق عددها عدد السكان، حياة رتيبه، وملل كبل الحياة بقيود فولاذية حتى كاد يقتلها تلك هي الحياة في المدينة العصرية الحديثة والتي لم اعتد عليها وانا ابن تلك القرية الوادعة بين الجبال والمحاطة بالنخيل من كل جانب، هواؤها النقي المختلط برائحة النعناع المديني، هدوؤها الذي يبعث في النفس شعورا بالراحة، اهلها البسطاء ببساطة الحياة فيها والذين يملكون من الطيبة والالفة الشيء الكثير.
وبين مطرقة الروتين وسندان الملل، تهفو النفس لمراتع الصبا وذكريات الطفولة، يقودها الحنين لحياة طالما داعبت مخيلتي، حزمت حقائبي وعزمت على شد الرحال لعلي احرر النفس من قيودها، ولم اعلم ان الماضي الجميل لتلك القرية لم يبق له أي أثر على ارض الواقع، فالنخيل ماتت واقفة بشموخ جريح، ومياه العيون لم يبق الا مجاريها شاهدة على شريان الحياة الذي كان يسير فيها، تغير كل شيء فالمدينة دبت في نفوس البسطاء فشوهتها، وقوالب الاسمنت حلت المزارع فقتلتها، قتلوا كل شيء جميل وراحوا يبحثون عن الاجمل وراء بريق الحضارة الزائف ولمعانها الباهت، وعدت ادراجي من جديد اسأل عن حلم الماضي الجميل متى سيعود.
ضيف الله بن نافع الحربي - جدة