منطق «العقل».. أم منطق «الواقع»
(1)
لسنوات طويلة ظلت علاقة المثقف العربي بواقعه الاجتماعي والسياسي علاقة «فوقية» تقف على السطح ولا تذهب إلى العمق.. وظلت هذه العلاقة تتعامل مع المواقف العابرة.. ولا تتعامل مع الظواهر.. ظلت رهن الانفعال بالحدث أكثر من ارتهانها إلى الفعل لذلك جاءت هذه العلاقة بين المثقف العربي والواقع الذي ينتمي إليه في سياقاته المختلفة وتشكلاته المتداخلة والمعقدة.
ومن هنا كان المثقف في كثير مما يفعله ويصنعه يقترب من الواقع الاجتماعي الذي ينتمي إليه، وهو ما جعل ما يسمى بالنخبة العربية ليس لها دور تاريخي وجذري في الحياة العربية إلا من استثناءات لا تدخل في تلك الحالة الجماعية التي يصبح من خلالها دور الفرد يتعدى دور الجماعة، وقيمة الفكر أكثر عمقاً وتأثيراً من

حالة الهروب في الذهنية العربية جعلت العقل العربي في حالة غياب

أي دور آخر.
(2)
والسؤال.. لماذا كان المثقف العربي يتعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي من هناك من برجه العاجي، دون الدخول في لعبة الحياة اليومية والالتصاق بالهم الجمعي للوطن والدولة والأمة؟
إنه سؤال مطروح منذ زمن طويل ولكن ليس هناك إجابة كافية ووافية عليه.. ربما لأن حالة الهروب التي تحكم الذهنية العربية هي التي جعلت العقل العربي في حالة هروب وفي حالة غياب أيضاً، ولذلك ظل هذا العقل أكثر ارتباطاً بالنظرية أكثر من ارتباطه باللحظة الراهنة للأمة في تحولاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية والفاصلة أيضاً.. وكأنما هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967م تحولت إلى هزيمة للذات العربية والعزيمة العربية، وتحولت بالتالي إلى هزيمة للعقل العربي، الذي أصبح مشلولاً أمام هذه الأحداث الكبرى التي مرت وتمر بالأمة العربية من فلسطين إلى لبنان.. وانتهاءً بكارثة غزو العراق.. وما تلاه.
(3)
إذن هي هزيمة فكرية وذهنية وذاتية تمكنت من أن تجعل الدور الحقيقي الذي كان ينبغي أن ينهض به المثقف والمفكر العربي هو دور غائب وموارب وظـــل الـعــقــل العربي في حالة حصار بين ما تريده النظرية وما يريده الواقـــع منه أيضاً، بين إخلاصه لما يفكــر فيه وبين انتمائه للــواقــع وما ينبغي أن يفعله ويصنعه لهذا الواقع، لذلك تحولت «حالة الحصار» تلك إلى ما يشبه السجن للمثقف العربي إنه سجين النظرية، والمعــتـقــد، وتحولت المســـألة برمتها إلى وقوع المثقــف العربي والمفكــر العربي بين الســـلـطـة الـسيـاسـيــة للدولة وبين سلطة الــفـكـر والنظرية، وتحول العقل العربي إلى عقل خائف وليس على علاقة بواقع الأمة وبالمستقبل.