تجديد الفكر الإسلامي والمعاصرة
إلهام باجنيد*
لم تكن مفردة التجديد من المفردات المألوف نسبتها إلى العلوم الشرعية والفكر الاسلامي كما هو حال العلوم التطبيقية والامور الدنيوية. لذا كان اطلاقها عليه في البدايات صادما ومربكا أنشأ انقساما بين مستميتٍ في نفيها، ومتطرفٍ في تأييدها كعادة كل مستحدث تضرم حوله جذوة الاختلافات، والمتباينات بين اطراف لا يبدو على أحدهم انه يصغي للآخر، أو يعبأ لما يصدر. إلا أن شدة التغيرات، وكثرتها، فرضت ضرورة قبول دلالة الكلمة مما هو أبعد من الوقوف عند حدود اسوارها، ومع ذلك لم يغفُ الصراع تماما وإنما اكتسى وجها آخر يتناسب مع الخطوة الخجلة لقبولها، فكان الجدل حول ما يمكن ان يخضع للتجديد من مبادئ الشرع وعلومه المحتضنة تحت جناحها (أصول الدين، الفروع الفقهية التي يطلق عليها الجزئيات، أصول تلك الفروع أو ما يسمى بأصول الفقه: تمييزا لها عن أصول الدين). ويتلبس المترددون في أمر التجديد خشية وحذرا من المساس بجوهر أو ثابت في الشرع من أن يكون عرضة لتلاعب الاهواء المتباينة أو المصالح الشخصية في تبرير واقع أو فرضه باكتساح وتدمير تلك الثوابت: لذا كانوا أشد ما كانوا اصطداما بالتجديد في الاصول سواء أصول الدين، أو أصول الفقه وركائزه، وهم يعذرون في حرصهم إلا أنهم عمليا سقطوا في غياهب سحيقة من التناقضات عند إفراد الفروع أو (الجزئيات) بالتجديد مع رفض تجديد ركائزها ومنطلقاتها التي هي قواعد غير منصوص عليها، ولا موحى بها، وإنما هي قوالب تتوافق مع حكم في عصر، ولا تتفق مع آخر في عصر آخر، فهي بمثابة القدم لمن يحرص على اللحاق بغيره.
كما وقع التناقض عند الوقوف على حدود الفاظ النصوص دون سبر للعلل التي يدور معها الحكم وجودا وعدما: وفصل النصوص عن سياقاتها، وجوها العام الذي ينقل الى آفاق أرحب من النظر والواقعية.
التجديد ضرورة لملاحقة المتغيرات المجتمعية والفكرية غير المحدودة لن يقف أو يتباطأ انتظارا لأن نسمح بعد عدة مداولات أو لا نسمح، إلا أن ذلك لا ينفي افتقاره الى نظرة متفهمة مقترنة بإدراكٍ لحقيقة الشرع كمنهج يشمل الثوابت التي بدونها لا يكون هناك فرق بينه، وبين سواه من الاديان والعقائد دون تمييع، كما يشمل المتغير الذي يسعى ليوائم بينه وبين طبيعة الحياة المتغيرة ليتعايش الناس في ظله الرحب في سلام ووئام. التطرف حول قطبين، والرفض لمجرد النسبة الى مصدر ما هو علة العلل في التخبط، وعدم الاتزان عند الجلوس على مائدة ما، شفاؤه النظرة العقلانية المجردة عن التعلق بالثانويات الحاجبة عن التغلغل بعمق وروية في تناول المهمات.نحن نرفض المنهج العقلي في النظر لمجرد انه نسب الى المعتزلة، ونرفض هذا القول، لانه صدر عن ذلك العالم الذي له اقوال غير مقبولة في نظرنا في قضايا اخرى لا تعلق لها بما نطرح، ونرفض ذلك لصدوره عن أديب، أو مفكر يتصف بكذا، وكذا، وكذا.. كل ذلك من وجهة نظرنا.
قبل سنوات ليست ببعيدة ظهرت ادبيات عديدة وبحوث في رفض فكرة التقنين للأحكام القضائية باعتبارها احدى افرازات المعاصرة المنبثقة من احتياجات العصر، حتى ان احد الباحثين قدم في مطلع طرحه شاهدا على ذمها بأن أول من فكر بها عبدالله بن المقفع عندما أدلى بها الى الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور.
ولم تمض سنوات طويلة حتى فرض واقع القضاء وتباينه في ما يصدر عنه عن حاجة ماسة ألجأت الى ما اقترحه منذ سنوات بعيدة ابن المقفع المذموم.
لن تمسي المعاصرة عفريتا مقلقا عندما تصلح وسائل الاتصال بين الاقطاب المتحاورة حولها رفضا، وقبولا، وترمم الجسور المنهارة ليحمل كل طرف الى الآخر وسيلة للتقارب ولم الشمل في امور لايدرك المتخاصمون ان ما يحمله احدهم هو سلاح قول الآخر. سيكون الامر اكثر واقعية ومرونة عند التنحي عن الاستماتة حول الجزئيات، والنظر في تفعيل الكليات القادرة على اسباغ وشاحها رفرافا على جميع المتنازعين مع روح ملأى بالعدل والإنصاف للغير والنفس عند وقوف احدهما أمام الآخر.
* جامعة الملك عبدالعزيز
Omomeir_2@hotmail.com