يواصل اثارة الجدل بعد اعتباره التدخين غير مفسد للصيام
جمال البنا: القرآن معجز إلهي وأي تفسير.. «تفكير بشري»
هناء البنهاوي (القاهرة)
لا يكفّ الكاتب جمال البنا عن إثارة الجدل في الشارع المصري والعربي بين الحين والآخر منذ أن ادخل نفسه في منطقة الفكر الاسلامي معلنا صراحة عن صدامه مع الازهر والاخوان، بل وصدمه للشارع بفعل آرائه الجريئة في التجديد للفقه وفقا لاحتياجات العصر آخرها تبنيه فكرا ليبراليا قاده مؤخرا الى اعتبار التدخين غير مفسد للصيام، وان كان قد اطلق من قبل سلسلة من الآراء التي اعتبرها اجتهادا فقهياً منها اجازة امامة المرأة للرجال في الصلاة، ورؤيته للحجاب بأنه ليس فريضة اسلامية، بل ورفضه لانزال عقوبة دنيوية على المرتد. صدامه مع الازهر جعله يفخر بأن شقيقه حسن البنا مؤسس الاخوان لم يكن أزهريا، في الوقت الذي يرفض فيه منهج الاخوان كتنظيم يقوم على الطاعة والالتزام التام، وفي المقابل فان مجمع البحوث الاسلامية بالازهر قد أوصى بمنع تداول كتابه «مسؤولية فشل الدولة الاسلامية» وحظر تداوله حفاظا على العقيدة لأن افكار الكتاب خطر على الاسلام.. فالى تفاصيل الحوار:
قلت له في البداية.. ألم تخش من دخولك دائرة الشك والريبة في نظر المجتمع الاسلامي بعد دعوتك المبكرة للايمان بالانسان؟
- مقولتي (لا تؤمنوا بالايمان وآمنوا بالانسان) كانت شعاراً رفعته في مواجهة شعارات الاخوان المسلمين، وعبرت عن مضمون هذا الشعار في كتاب لي وهو (ديمقراطية جديدة) عام 1946 وهذه الفترة كانت مدا قويا للاخوان ورأيت في افكارهم المنتشرة آنذاك شعارات جوفاء لا تخدم الانسان بل تضلله، وهذه الدعوة رغم مرور اكثر من ستين عاما عليها فاني مازلت مؤمنا بها لان العقائد السماوية نزلت لهداية الانسان، فليست هناك سلطة دينية في الاسلام وعلى ذلك فان كل ما يقوله الاخوان عن السلطة والخلافة وما شابه كلام فارغ.
لكنك في هذه الفترة كنت مشغولا بالعمل النقابي الذي استمر معك لأكثر من نصف قرن فما الذي ادخلك دائرة الفكر الاسلامي؟
- انشغلت بالعمل النقابي خلال الحقبة الناصرية لأن الفكر الاسلامي حينذاك كان مغلقا امام «طغيان» عبدالناصر، فعملت على استغلال هذا الجزء من العمل النقابي باعتباره يمثل أحد جوانب الاسلام لأنه يعمل على رفع مستوى المعيشة وتحقيق انسانية الانسانية دون التورط في السياسة، ولكن عندما توافرت الحرية رجعت للجذر الاسلامي.
صمت القرضاوي
هناك شبه اجماع من العلماء والفقهاء على انك اقتحمت ميدانا لست أهلا له وهو ميدان الفكر الاسلامي واقتحام مجال الفقه بدعوى التجديد؟
- حين سألوا الشيخ القرضاوي عن تجديد الفقه حار ولم يستطع الاجابة حتى جاءت مداخلة لكاتب مسلم يعيش في ألمانيا وهو عبدالحميد خضر الذي قال انه لم يكتب عن تجديد الفكر الاسلامي إلا جمال البنا، وهنا صمت القرضاوي ثم رد بالقول ان جمال البنا ليس من أهل الفقه والفقه له رجاله، ومثل هذا الرد من القرضاوي يكشف عن عدم الموضوعية فأنا اختلف عن المشايخ الذين يرون الاسلام من الداخل أما أنا فأنظر الى الاسلام من الخارج في نظرة كلية، ارى الاسلام ككل، وهذه ميزة عدم التخصص وميزة اختلاف المنهج الذي قادني الى العودة الى القرآن رأسا دون اهتمام بتفاسير المفسرين، بل انني ارى ان هؤلاء المفسرين قد جنوا على القرآن، كما جنوا على الحديث.
علوم القرآن
هل يعني ذلك وأنت تقارب الثمانين من العمر مازلت عند رأيك برفض علوم القرآن التي استقر عليها علماء السلف في فهم النص القرآني؟
- أنا مصر على رفض العلوم التي تسمى علوم القرآن شكلا وموضوعا، لأن في هذا اعمال للرأي ويخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب، كذلك كان موقف أبو بكر الذي قال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني اذا قلت بالقرآن رأيي» إذن فمن أين اتى المشايخ بآرائهم وتفسيراتهم للقرآن؟ فأنا لا اعترف بأي تفاسير للشعراوي أو غيره كسيد قطب، فكل هؤلاء قد اساءوا الى القرآن وميعوا الصياغة المحكمة، ولفتوا النفس عن التأثير بهداية القرآن الى معرفة التفاصيل التي عرضوها عن القرآن كما لو كان القرآن «حكاية»، فالقرآن ليس «حدوته» وانما هو كتاب هداية. لذلك فإنني اطالب بالغاء كتب التفاسير لانها ولو ظلت باقية فلن يفهم الناس القرآن على حقيقته، وبالتالي فان أي تفسير للنص الإلهي المعجز هو تفكير بشري، فالقرآن بحر لا ساحل له، ومعجزته مستمرة عبر القرون، وهناك أمور في القرآن قد لا يفهمها هذا الجيل لأن الله قد ادخرها لاجيال اخرى.
التحريم والتحليل
إن اتفق البعض في هذا الطرح فكيف يثقون بآرائك التي تصدم بها الرأي العام الاسلامي بفتاوى ملتبسة كان آخرها اجازة تدخين السجائر في نهار رمضان؟
- مسألة التحريم والتحليل قائمة في الشرع على اسانيد من القرآن والسنة، ولم يتضمن النص القرآني حكما بتحريم تدخين السجائر في رمضان، اذن المسألة تخضع للاجتهاد، والفقهاء الذين تناولوا هذا الموضوع قالوا باجتهادهم الذي لا يعتبر تحريما شرعيا ولكنه تحريم الاجتهاد الفقهي الذي هو بدوره قابل لرفض والقبول فهو ليس ملزما، واتبعنا منهج الالزام بتطبيق الفتوى لكنا قد عملنا بولاية الفقيه على الفكر، وعلى ذلك فما قلته في هذا الصدد رأي يمثل اجتهادا مثل اجتهادات الفقهاء وهو قابل للرفض أو القبول.
لكنك بذلك احدثت بلبلة وشككت في اراء الفقهاء؟
- لم احدث بلبلة وانما المشايخ هم الذين ينصبون انفسهم أوصياء على الفكر الاسلامي فأغلقوا باب الاجتهاد وقصروه عليهم، ويحاربون أية محاولة لتجديد الفقه الذي يتناسب مع احتياجات العصر.
مفتية للنساء
بماذا تفسر رفض الازهر اختيار مفتية للنساء في مصر؟
- هذا المطلب لابد ان يرفضه الازهر ويرفضه المفتي لأنه يخشى ان يأتي يوم وتحتل المرأة المفتية مكانه، فالمبدأ الاسلامي العام في كل الولايات بما فيها رئاسة الجمهورية أو الصلاة ان تكون الولاية للأكفأ رجلا كان أو امرأة لكن هذا المعيار لا تعرفه مؤسسة الازهر التي عملت على تأخر الفكر الاسلامي وبشهادة محمد عبده الذي هو انجب خريجي الازهر فقد دعا لمراجعة مفهوم السلطة الدينية لأنها ليست من الاسلام.
تقول ان الخلافة تحولت الى حكم مستبد بعد عصر الخلفاء الراشدين، هل يعني ذلك ان القيم التي ارساها النبي الهادي لدولة الاسلام قد ضاعت عبر هذه القرون؟
- المبدأ الاساسي لتكوين دولة اسلامية يخالف طبائع الاشياء وتجربة التاريخ، لأن الدول الحقيقية هي الحكومة وابرز ما فيها السلطة كقوة قاهرة تجبر الناس على تحقيق ارادة الدولة، وهو ما يعني وجود جيش محترف وسجون وضرائب وغيرها من خصائص الدولة، وعدم هذه الخصائص يعني ان يتحول المجتمع الى أمة لذلك جاء حديث القرآن المتكرر عن الأمة وليس الدولة.
إذن بماذا تفسر دولة المدينة التي اقامها الرسول الكريم؟
- الرسول صلى الله عليه وسلم اقام دولة المدينة نتيجة ملابسات تاريخية معينة ووقائع عملية وليس تحقيقا لفريضة اسلامية، وهي ان المشركين احكموا مؤامرة لقتل النبي وكان لابد ان ينجو منها بذهابه الى المدينة المنورة التي انتشر فيها الاسلام بالقرآن بحسب وصف عائشة رضي الله عنها، وكان انتشار الاسلام فيها بمثابة الفتح الاول، فلما ذهب الرسول اليها وجد شعبا يرحب به يؤمن بدعوته ووكلوا اليه الحكم فحكم المدينة بطريقة فريدة لا مثيل لها في نظم الدول المتعارف عليها، فالدولة التي اقامها الرسول لم يكن فيها سجن ولا ضرائب ولا جيش محترف وهذا يعني ان دولة المدينة ليست لها مثيل في التاريخ وهي في حقيقتها لم تكن دولة وإنما أمة.
لكن دولة الاسلام قد استمرت بنفس المنهج حسب قولك في عهد الشيخين؟
- استمرت بنفس الملابسات التاريخية، فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان طبيعيا ان يكون هناك من يتولى الامر ويحارب المرتدين، ومن حسن الحظ ظهر الخليفة أبو بكر في لحظة تاريخية حاسمة، وبظهور ابي بكر بايعه الانصار، ولم ينس ابو بكر هذا الموقف حفاظا على وحدة المسلمين لذلك اوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب بعد ان استشار كل الصحابة مهاجرين وانصارا، وجاء عمر لحسن الحظ مؤمنا قويا مخلصا لدينه وعندما قتل بدأ الخلل يسري في المجتمع الاسلامي.
المستشرقون
يتهمك البعض بأنك تنساق وراء محاولات تشويه التاريخ الاسلامي الذي يطعن منها المستشرقون على الاسلام؟
- المستشرقون يطعنون الاسلام بناء على الاحاديث الموضوعة التي اجازها المحدثون ومنها كتاب (الاتفاق في علوم القرآن) للسيوطي مليء بالاحاديث التي تطعن في القرآن ومن هذه النماذج للاحاديث الموضوعة، حديث ينسب لابن عمر بن الخطاب (لا يقولن احدكم اخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد اخذت منه ما ظهر). ونموذج اخر ينسب لعائشة قالت (كانت سورة الاحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي أية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها الا ماهو الآن). فالمشايخ المعاصرون مسؤولون عن وجود هذه الاحاديث واجازتها وطعن الاسلام بها وقد اصبحت وسيلة المستشرقين للطعن في الاسلام وزعزعة الثقة في القرآن، لذلك فانني ادعو مثلما دعا العلماء المخلصون بتنقية التراث الاسلامي من هذه الشوائب وهي فكرة قديمة طالب بها الشيخ عبدالمنعم شمروخ في السبعينات خلال وزارته للاوقاف، وهناك محام بالاسكندرية رفع قضية ضد شيخ الازهر، والمجلس الاعلى للبحوث الاسلامية مطالبا إياه بتنقية التراث لأن هذا من الاختصاصات التي شكل من اجلها المجلس الاعلى للبحوث الاسلامية.
الاسلام والمسيحية
لكن د. آمنه نصير تخشى ان تخضع عملية تنقية التراث الاسلامي لأهواء سياسية فيضيع التراث كله مثلما ضاع تراث المسيحية؟
- هناك فرق كبير بين الاسلام والمسيحية لأن القرآن في الاسلام قطعي الثبوت ومعظمه قطعي الادلة أيضا، لكن المسيحية ليس لها هذا الكتاب المعجزة انما لها عدد من الاناجيل حوالى 40 انجيلا، واخذت الكنائس ومجمعاتها تفرز وتبقي حتى ابقت على عدد محدود منها.
حديثك يشتم منه الاساءة لإخلاص كبار الأئمة؟
- هؤلاء الأئمة امثال احمد بن حنبل وابو حنيفة والامام مالك والشافعي كانوا مخلصين لدينهم كل الاخلاص فضلا عما تمتعوا به من عبقرية لا يمكن تجاهلها لكنهم وجدوا في عصر ازدهار الخلافة العباسية حيث قوة البطش وانفتاح الامبراطورية الاسلامية وتعرض هؤلاء الأئمة العظام لشتى اشكال التعذيب والضرب، من جاء بعدهم من علماء كانوا اقل قوة وحصانة وتحملا فحدث الخلل.