بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
جمهورية أفلاطون وجمهورية جدتي
كانت جدتي أشهر عصّادة في القرية وصاحبة أشهر مدرسة في العصيد. لكنها بعد أن كبرت وكبر أولادها وتزوجوا وصار لهم زوجات يخدمنهم تخلت عن سلطتها كعصّادة، وسلمت طنجرة العصيد لنساء بنيها، وتفرغت هي للرقابة والنقد والمعارضة، ومنذ عرفت نفسي لم يحدث مرة أن رأيت جدتي تعصد، أو تمسك بالمِعصد.. وإنما كنت أراها تنتقد عصائد نساء بنيها ونساء القرية وتعترض على طرقهن في إعداد وتجهيز العصيدة.
كانت دائماً في صف المعارضة ولم يكن يعجبها العجب ولا العصيد في رجب..
كانت تنشد الجودة والإتقان والكمال، وتطلب من كل عصّادة أن تعصد عصيدة تقترب من النموذج والمثال الذي في ذهنها.
ومثل عالم المُثل عند الفيلسوف اليوناني أفلاطون، كان في ذهن جدتي تصور ما عن العصيدة المثالية الكاملة.
وإذا كان الفيلسوف أفلاطون قد اعتبر العلم بالمُثُل هو منتهى العلم ومنتهى الحكمة. فإن جدتي تعتبر العلم بالعصيد هو علم العلوم، وإذا كان أفلاطون في جمهوريته قد وضع الفلاسفة في أعلى مرتبة واعتبرهم هم الحكام ورؤوس الحكمة فإن جدتي وضعت النساء العصّادات والعارفات بطرق إعداد وتجهيز العصيدة في نفس المرتبة التي وضع فيها أفلاطون الفلاسفة.
ومثل أفلاطون الذي استخف بالشعراء وطردهم من جمهوريته بحجة أنهم جهلة يجيدون الكلام والثرثرة والهذيان وليست لهم علاقة بالفلسفة علم العلوم، فإن جدتي كانت تستخف بكل امرأة تجهل مبادئ العصيد ولا تعرف كيف تمسك بالمعصد، وتقول بأنها لن تجد من يتزوجها مادامت لا تعرف كيف تملأ معدة زوجها بالعصيدة.
ولو أن جدتي -رحمة الله عليها- تقرأ وتكتب لألفت جمهورية على غرار جمهورية أفلاطون وأسمتها -جمهورية العصيد- ومثل أفلاطون كانت ستطرد من جمهوريتها كل النساء والفتيات اللاتي يجهلن أبجدية العصيد وتلقي بهن خارج حدود جمهوريتها العصيدية العظمى.
أضف تعليقك