رحم الله الشاعر حافظ إبراهيم عندما ترحّم على رفات أجدادنا نحن عرب الجزيرة العربية بقوله على لسان اللغة العربية:
رعى الله في أرض الجزيرة أعظماً
يعز عليها أن تلين قناتي
ورحم الله عباس محمود العقاد عندما قال في كتابه «اللغة الشاعرة» ص6: «ومن واجب القارئ العربي- إلى جانب غيرته على لغته- أن يذكر أنه لا يُطالب بحماية لسانه ولا مزيد على ذلك، ولكنه مطالب بحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة العالمية من أدوات المنطق الإنساني، بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال، وإن بيت القصيد هنا أعظم من القصيد كله؛ لأن السهم في هذه الرمية يسدد إلى القلب ولا يقف عند الفم واللسان». ورحم الله قبلهما أبا منصور الثعالبي (ت430هـ) صاحب كتاب «فقه اللغة وسر العربية» الذي كتب مقدمة نفيسة لكتابه هذا دون رعاية حق للخواجات أو انهزام أمام هيمنتهم الثقافية وأقتطف بعضاً منها، ولولا ضيق المساحة لأكثرت، ومما قال «من أحبّ الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، التي نزل بها أفضل الكتب، على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه؛ اعتقد

أليس عجيباً أن يتحدث سفير غربي العربية ويتحدث الإنجليزية نفر من أبناء الوطن؟

أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد..» ص21. وأقول مؤمناً على قول الثعالبي:
آمين آمين، لا أرضى بواحدة
بل ألف آمين في ألفين آمينا
العقاد يطالب بحماية اللغة العربية لحماية العالم من خسارة، وأن السهم الموجه إليها موجه للقلب لا للفم واللسان، وحافظ إبراهيم تصوَّر أن أعظم العرب في الجزيرة العربية تضطرب للحن فيها، فكيف لو اطلع على بعض أبناء الجزيرة يتفاخر بمقال كتبه من كتبه محقراً للغة، ومستنتجاً أنه لا دليل شرعاً على شرف اللغة العربية وفضلها، وله ذلك فهو استنتاج له في زمن الهزيمة الحضارية التي دعت من سُحقوا هزيمة أن يتلمسوا سهاماً علهم تعلو لهم أسهمهم لدى الخواجات، ولكن المؤلم أن يأتي من يفرح بذلك من كتابنا بل ويزيد بأنا نتعبد الله بالقرآن لذات القرآن، وليس لذات اللغة، وهل القرآن قرآن بغير اللغة العربية؟ ونطقُ حرف أو تحريفه بغير اللغة العربية يعد خطأ إلا من تأتأ به لعجز لسانه أو لعجمته، وامتد الكلام إلى عدم أفضيلة جنس العرب مع أن ما يعتقده المسلمون ويدينون الله به أن جنس العرب أفضل الأجناس، ولهذا كلام وأدلة لا يتسع لها المقام هنا، ولكن «الله أعلم حيث يجعل رسالته» (الأنعام/124). الدكتور أحمد الضبيب كان منزعجاً في حديث معه عما تتعرض له اللغة العربية في بلادنا هذه الأيام، ومعه حق في ذلك، وتذاكرت معه قول الله تعالى عن القرآن «وهذا لسان عربي مبين» (النحل/103)، وقوله «إنا أنزلناه قرآنا عربياً» (يوسف/2)، وقوله «وكذلك أنزلناه حكماً عربياً» (الرعد/37)، والموضوع ليس موضوع أدلة نقلية أو عقلية، فهي كثيرة، ولكنه موضوع ضغوط للثقافة المهيمنة، وهي ضغوط وقتية لم نر اليابان ولا الصين ولا فرنسا خضعت لها، بل إن الرئيس الفرنسي خرج من مؤتمر للاتحاد الأوروبي؛ لأن مواطناً فرنسياً يعمل في منظمة دولية تكلم بلغة أوروبية، الموضوع موضوع انتماء وأصالة، وليس موضوع دليل وكما قال العقاد هي سهام توجه للقلب وليس للسان، وليس بغريب هذا القول في هذا الزمن الذي يلجأ فيه كل مريد للأضواء إلى أن يطعن في ثابت من الثوابت، بل إن الغلو في الدين يساويه الغلو في التطرف الآخر، ولم يكن التطرف بكل أصنافه إلا شراً، أليس من العجائب أن يتحدث سفير أوروبي باللغة العربية في منتدى جدة الاقتصادي ويتحدث أبناء الوطن بلغة أجنبية؟ الموضوع هزيمة داخلية، ومحاولة استرضاء للآخر، أو بحث عن أضواء، ولكن كل ذلك سوف يتحطم على صخرة قوة لغتنا كما تحطمت الموجات قبله من دعاة الهدم خارج بلادها.