بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
العراق.. لكلٍّ حجابه وحزامه
قال لي صديق عراقي عاد للتو من بغداد إن أكثر الظواهر التي لمسها واندهش لها في زيارته الأخيرة للعراق ظاهرة تفشي الحجاب بمعناه الحسي والرمزي. وإن الحجاب لم يعد مقتصراً على النساء وإنما أصبح للكل.. للرجال وللنساء.. العراق كله يتوارى خلف الحجاب والنقاب والجدران والستائر الأسمنتية والحواجز والقلاع وأبراج المراقبة.
الأمريكان محجوبون بدباباتهم ومدرعاتهم وجدرانهم الإسمنتية والترابية. رجال السلطة محجوبون بحراسهم وعرباتهم وجدران وزاراتهم ومتاريس بيوتهم وحزامهم الأخضر.
زعماء الميليشيات المسلحة محجوبون بسواطيرهم وميليشياتهم وأحزمتهم المتفجرة.
الانتحاريون والاستشهاديون محجوبون بأحزمتهم الناسفة وسياراتهم المفخخة. رجال المقاومة محجوبون بأسلحتهم وصواريخهم وأقبيتهم السرية، والمواطنون من شدة خوفهم صاروا يتحجبون ويتنقبون ويغطون أوجههم بدشاديشهم ويخرجون ملثمين حتى لا يتمكن أحد من التعرف عليهم أو يستدل من ملامحهم ومن سحنات وجوههم على هوياتهم وانتماءاتهم الطائفية.
وصار بعضهم يحجب اسمه أو يغيره ويغير لكنته وملبسه وطريقة لف دشداشته حتى يمكنه الإفلات من الموت المتربص به بعد أن غدا القتل على الهوية كابوساً يُهدد الجميع.
العراق كله اختفى ولا شيء يظهر منه سوى الجدران والحواجز والموانع والمتاريس والكل صار يتمترس وراء مذهبه، ويحتجب بطائفته ويختفي وراء حزامه المذهبي. الطائفي والشيء المريع أن المثقفين والأدباء والشعراء والصحافيين وأساتذة الجامعات الذين قاوموا الديكتاتورية وناضلوا من أجل الديمقراطية والشفافية، وأسهموا في تشكيل الوعي العراقي المعاصر والحديث انقلبوا على وعيهم، وارتدوا عن انتماءاتهم الأدبية والسياسية والفكرية وعادوا للتمترس بطوائفهم.
ليس هذا وحسب بل إن مقاهي العراق تمذهبت هي الأخرى فصار للأدباء والمثقفين من السنة مقاهيهم الخاصة بهم. وللأدباء والمثقفين من الشيعة مقاه يحتجبون بها ويتمترسون، وصار لكل حجابه وحزامه الناسف.
أضف تعليقك