على خفيف
خيانات أخرى لم يذكرها !
هتف الشاعر العراقي الرائد بدر شاكر السياب ذات يوم متعجباً من وجود خونة لأوطانهم لأن الخيانة للأوطان جريمة عظمى تتنافى مع الدين ومع الوطنية ومع الخلق... وجاء هتاف السياب هكذا:
(إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون.. أيخون الإنسان بلاده؟)
ولكن دعونا من الخيانة العظمى إلى خيانات أخرى ليست في آثارها المترتبة عليها أقل سوءاً وجرماً من الخيانة العظمى نفسها لما تؤدي إليه تلك الخيانات من إهلاك للحرث والنسل وزرع للفساد في الأرض والله لا يحب الفساد!
إن من يتولى أمراً من أمور الناس ثم يستغل موقعه الوظيفي في تحقيق مكاسب غير مشروعة عن طريق الرشوة أو الاختلاس من المال العام أو التعطيل المتعمد لمصالح الناس هو مرتكب لخيانة ما ضد وطنه وضد من حمَّله أمانة ذلك الموقع الوظيفي لما ينتج عن استغلاله لمنصبه من مفاسد جمة وظلم شنيع لأصحاب الحاجات وأكل لأموالهم بغير وجه حق، إضافة إلى أن الاختلاس من المال العام يعد جريمة وخيانة مزدوجة لأن المال المختلس كان مخصصاً للصرف منه على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، من بناء للمدارس والمستشفيات وتعبيد للطرق وتأمين الأجهزة والأدوية الطبية ولوسائل السلامة للإنسان وللخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ونحوها فإذا أخذ كل موظف من موقعه (يهبش) مما تحت يده من مال عام على قدر استطاعته وحسب قوة موقعه، فإن المحصلة النهائية أن جزءاً كبيراً من المال العام يتحول من وجهته التي خُصص لها بإنفاقه على مصالح العباد والبلاد. وحتى الذين يهبشون من جيوب المراجعين تحت الضغط وتعطيل المصالح فإن المحصلة النهائية هي الإضرار بالوطن والخيانة المتعمدة له.
وضم إلى ذلك الذين يستولون على الأراضي الحكومية البيضاء في جنح الظلام تحت مُسمى الإحياء فتنشأ عن أعمالهم ومفاسدهم أحياء عشوائية قابلة لنمو الجريمة والفساد الخلقي بها، وضع على رأس القائمة الذين أطلق عليهم أحد أصدقائنا الطيبين لقب (المفترشين) وهم فئة من الناس كلما سمعت عن وجود مشروع للدولة لفتح أو إصلاح طريق (افترشوا) جانبي الطريق وطالبوا بتعويضات تزيد على تكاليف إنشاء الطريق.. فكل ما تقدم ذكره خيانات أخرى للأوطان لا تقل بشاعة مما تعجب منه أو استنكره الشاعر السياب!
أضف تعليقك