في الأسبوع الماضي (18صفر 1428هـ) دعيت لإحدى مناقشات الطاولة المستديرة التي نظمت في جامعة جورج واشنطن بمشاركة خبراء ومسؤولين حكوميين من أمريكا وأوروبا لتسليط الضوء على الوضع في أفغانستان. وخلال الحوار استعرض «بيتر بيرجن» الأكاديمي والخبير الأمني بشبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية نتائج استطلاع للرأي العام الأفغاني أجراه البرنامج المعني بالمواقف السياسية الدولية في واشنطن في ديسمبر من العام 2005م، الذي أظهر أن نسبة 88 في المائة من الشعب الأفغاني ينظرون نظرة سلبية لطالبان، وأن أغلبية 82 في المائة منهم يرون أن سقوط حركة طالبان كان شيئا جيدا لأفغانستان. وحول الوجود العسكري عبر ما يقرب من 83 بالمائة من الذين استطلعت آراؤهم عن سرورهم بالوجود العسكري الأمريكي في بلادهم، وقال 83 في المائة منهم أن بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح. وقد عبر المسؤولون في الإدارة الأمريكية آنذاك عن سعادتهم بهذه النتائج ووصفوها بأنها تظهر الصورة المشرقة لمستقبل أفغانستان. إلا أن هذه الصورة الوردية التي رسمها استطلاع الرأي للموقف في أفغانستان باتت تتهاوى تدريجيا أمام الواقع الأمني المرير الذي يعيشه الشعب الأفغاني في الوقت الحالي وسط إعراب الكثير من المواطنين الأفغان عن تمنيهم عودة الحكم السابق إلى أفغانستان، وتنامي شعور الكراهية للوجود الأجنبي الذي فشل في تحقيق الأمن والاستقرار وخلق مناخا ساعد على تفشي الفساد

الأفغان يريدون حكومة
غير فاسدة تحافظ
على عاداتهم وتقاليدهم

والجريمة والرذيلة. ولا يعود هذا التغير في الموقف الأفغاني إلى كثافة وتنوع العمليات الطالبانية القتالية ضد قوات التحالف أو للولاء السياسي للحركة، وإنما إلى ما تحمله هذه الانتفاضة من أمل للمواطن الأفغاني البسيط في أن يعيد التاريخ نفسه حين نجح الحكم السابق في نشر الأمن بين القرويين وأنقذهم من فترة الفوضى التي عمت البلاد على الرغم من الانتقادات الموجهة لهذه الحركة. فالواقع الأفغاني كما وصفته «باميلا كونستابل»، النائبة المحررة للشؤون الخارجية في صحيفة «الواشنطن بوست» يبرز فشل الحكومة الأفغانية وقوات التحالف في حفظ الأمن في أجزاء كبيرة من أفغانستان وخاصة في المناطق الجنوبية والشرقية ذات الأغلبية البشتونية التي تشهد إما غيابا لممثلين عن الحكومة والسلطة الأمنية، أو تواجدا أمنيا مزيفا تمثل السلطة الأمنية فيه بؤرة الفساد والفوضى. كما أثار مسلسل قتل المدنيين الأفغان من جراء القذف العشوائي على يد قوات التحالف سخط المواطنين وتنامي شعورهم بغياب الأمن، وبات سببا رئيسيا في تجنيد المقاتلين في صفوف طالبان وسببا لإذكاء روح المقاومة في الشعب الأفغاني. وفي ظل هذه الأوضاع الأمنية المتردية لم يحدث تقدم ملموس في عمليات إعادة الإعمار على الرغم من تدفق المليارات من الدولارات وذلك نتيجة للفساد المالي للحكومة ووصول ما نسبته 85 في المائة من هذه المساعدات إلى أيدي المتعاقدين الغربيين وليس الشعب الأفغاني. ويظهر واقع قوات التحالف سوء قراءتهم لتاريخ وثوابت الشعب الأفغاني من تمسكه بعقيدته الإسلامية ونبذه لمظاهر التفسخ والانحلال الأخلاقي. فعلى الرغم من بزوغ المؤسسات الديمقراطية في أفغانستان بات معنى الحريات والديمقراطية في أفغانستان مرتبطاً في ذهن المواطن الأفغاني بمشاهد تعاطي المخدرات ومشاهد المتعاقدين الغربيين المتسكعين بين حانة وأخرى وبين بيوت الرذيلة التي انتشرت في قلب العاصمة كابل. كما ازدهرت زراعة وانتاج المخدرات بنسبة 92 في المائة مما جعل أفغانستان تحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث انتاج الأفيون وتصديره لأوروبا وروسيا والولايات المتحدة. وقد ساعد على نماء هذه التجارة سيطرة تجار المخدرات وأمراء الحرب على الأراضي الأفغانية وعلى الحكومة وغياب تطبيق الحكومة والتحالف لأي نظام عقوبات فعال خوفا من فقدان تعاون هؤلاء مع الحكومة وهو الأمر الذي ولّد تعاطفاً مع «طالبان» التي نجحت في وقت ما في توفير الأمن والقضاء على تجارة المخدرات وعلى مظاهر الفساد والرذيلة.
لقد بات الغرب أكثر قناعة بأن النصر في أفغانستان لا يتمثل في النصر العسكري وإنما يتمثل في النصر الأمني. فما يريده الشعب الأفغاني ليس «طالبان» أو «القاعدة» أو قوات التحالف، وإنما توفر العدالة والأمن في ظل حكومة شرعية غير فاسدة تحافظ على عادات وتقاليد الشعب الأفغاني المسلم المحافظ. وفي ظل هذا الغياب الأمني سيظل نموذج «طالبان» الأمني هو الأقرب لمخيلة وعقول الأفغان.
afansary@yahoo.com