بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
حمّام النضال
في منزلي المتواضع أربعة حمامات: حمام للاستخدام العائلي، وآخر للضيوف، وثالث للطوارئ، أما الحمام الرابع فهو خاص بي ومخصص للاعتصام والصمود وللنضال وللمقاومة. فأنا مثل أي مواطن عربي مقموع لا أشعر بحريتي إلا عندما أختلي بنفسي في الحمام. وفي الحمام فقط.. أجد في نفسي الشجاعة والقوة والجرأة وفيه أتنفس هواء الحرية وأقول ما أريد بحرية مطلقة وشجاعة نادرة. بل إنني كلما حدث عدوان على هذه الأمة لذت بحمام النضال والمقاومة ورحت أعتصم وأتظاهر وأشجب وأندد وأصرخ وأحتج وأصمد وأدين وألعن إسرائيل وأمريكا, إذ ما إن أدخل الحمام وأغلق بابه بإحكام، وأفرغ ما بجوفي. حتى أنهض ممتلئاً بالنقاء الثوري، وأعود إلى طبيعتي كإنسان عربي سوي لا يُساوم ولا يُهادن ولا يقبل الذل والظلم والضيم. ولأن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق هما أقذر أنواع الاحتلال فقد تكشف لي بأن كل أشكال النضال والمقاومة التي جربناها لم تعد ذات جدوى وأنه لابد من ابتكار أشكال قذرة للصمود وأساليب وسخة للنضال والمقاومة، تجبر إسرائيل وأمريكا اللتين احتلتا اراضينا ودخلتا علينا من أوسع الأبواب على الخروج من أوسخ الأبواب، وهذا لا يتأتى إلا إذا اعتصم كل مواطن عربي شريف ونظيف في حمام بيته وأعلن الاحتجاج ضد هذا العدوان السافر ومارس كافة أشكال الضغوط. صحيح بأن مساحة الحرية في وطننا العربي ضيقة لكن هذه المساحات للحرية المتوافرة في حمامات مدننا وقرانا وبيوتنا وشوارعنا على ضيقها أكثر من كافية. فيما لو استثمرناها واستخدمناها بذكاء للتعبير عما يجيش في صدورنا من شمم وإباء وثورات، فضلاً عن أننا من خلالها يمكننا الاستعاضة عن غياب الحرية في الشارع العربي، ذلك لأن الحمامات العربية (لا الأفرنجية) هي آخر قلاع ومعاقل الحرية في هذا الوطن الممتد من القمع إلى القمع، وهي ملاذنا الأخير والآمن.
فلنعتصم إذن بحمامات النضال والصمود والمقاومة ولنردد مع الشاعر العربي قوله:
وللحرية «الحمام» باب
بكل يدٍ «مكبلة» يدقّ
* ملحوظة:
يجب قراءة هذا المقال في الهواء الطلق.
أضف تعليقك