10 أعوام بدون شلل أطفال.. وماذا بعد؟
من المعارك النبيلة التي تخوضها البشرية معركتها ضد مرض شلل الأطفال الذي احتفلت المملكة مؤخرا بخلوها منه لعشر سنوات متتالية منذ عام 1995م حيث تلقت شهادة من منظمة الصحة العالمية تقديرا لهذا الإنجاز الكبير.
هذا الإنجاز -وهو- قبل كل شيء توفيق من الله عز وجل- لم يكن ضربة حظ إنما ثمرة جهود مضنية عالية التنظيم والاستمرارية أحاول أن ألخصها هنا للقارئ الكريم. شملت هذه الجهود التغطية العالية بالتطعيمات الأساسية لكل الأطفال في السنوات الأولى من العمر ، وبالتطعيمات الإضافية خلال حملات التطعيم الوطنية التي أجريت لعدة أعوام لإعطاء مزيد من التغطية لكل الأطفال دون الخمس سنوات. وكانت فرق التطعيم تنتقل خلال هذه الحملات من منزل إلى منزل للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال. بالإضافة إلى ذلك كانت هناك الجهود المستمرة لاصطياد كل حالات الشلل الرخو ( أي الذي يشبه شلل الأطفال) التي تحدث في أي مكان في المملكة للتأكد من أنها ليست بسبب عدوى فيروس شلل الأطفال وإنما لأسباب أخرى ، ويتم ذلك بتخصيص أطباء في جميع المناطق لزيارة المستشفيات والمراكز الصحية بانتظام للاستفسار عن أية حالات شلل مشتبه فيها ثم إرسال عينتين من براز المصاب بواسطة خدمة التوصيل السريع إلى المختبر الوطني المخصص لشلل الأطفال في الرياض لزرعها والتأكد من خلوها

عشر سنوات والمملكة خالية من شلل الأطفال لكن الفرحة الكبرى بالقضاء عليه

من الفيروس الضاري ، مع الاستعانة في ذلك إن لزم بالمختبرات الإقليمية أو المرجعية التابعة لمنظمة الصحة العالمية التي تقوم سنويا بمراجعة أداء جميع هذه المختبرات للتأكد من أن أداءها يكون على أعلى المستويات. يضاف إلى ذلك البلاغات الأسبوعية التي تطلب من جميع المراكز الصحية في المملكة للتأكد من عدم ورود أية حالات من الشلل لديها. وعند الاشتباه في حدوث حالات شلل في حي معين ، سواء بسبب فيروس شلل الأطفال أو لأسباب أخرى غير معدية ، كانت تجرى حملات تطعيم احتوائية لمحاصرة الفيروس ، إن وجد ، في ذلك الحي والأحياء المجاورة. وإضافة إلى كل ما ذكر أعلاه كانت هناك حملات خاصة في المناطق الحدودية ومناطق الحج والمناطق التي تقطنها فئات من المقيمين إقامات غير نظامية حيث لا تتلقى هذه الفئات الخدمات الصحية المنتظمة. شملت الحرب ضد شلل الأطفال كثيرا من الجنود المجهولين الذين يستحقون التكريم فردا فردا ، كما أشار إلى ذلك معالي وزير الصحة. هناك آلاف الأطباء والممرضين والفنيين والإداريين والعمال ممن يقومون بالتأكد من وصول اللقاح بصورة سليمة إلى كل طفل من خلال التطعيمات الأساسية و حملات التطعيم الوطنية والإضافية ، ومن يقومون بالكشف على كل حالة شلل مشتبهه. وهناك فرق العاملين في إدارة الأمراض الوبائية والمعدية بوزارة الصحة والمستشفيات الحكومية والخاصة ، وهناك اللجان المعينة من قبل منظمة الصحة العالمية للإشهاد على جهود التطعيم ومراجعة الحالات المشتبهه والتأكد من الاحتواء المخبري للفيروسات المعدية. ومن أبرز الإجراءات التي كانت لها فاعلية كبيرة في رفع نسبة التطعيم، ربط تسليم شهادة الميلاد بإكمال اللقاحات الأساسية ، وهو إجراء كانت المملكة سباقة إلى اتخاذه بين كافة الدول. و إجراء آخر لمنع وفادة الفيروس من الدول الموبوءة بربط التطعيم بتأشيرة الدخول للقادمين من هذه الدول لأول مرة أو العائدين منها.
الفرحة باستمرار المملكة خالية من شلل الأطفال لعشر سنوات متتالية لا يجب أن تنسينا أن المعركة ضد هذا الوباء مازالت مستمرة ولم تنته بعد ، بل تبقى المملكة معرضة لخطر وصول الفيروس عبر أشخاص حاملين للفيروس ولا تظهر عليهم أية أعراض ، وهو ما حدث فعلا أكثر من مرة خلال الأعوام العشرة الماضية. وبحمد الله تم اكتشاف الحالات القليلة القادمة والتعامل معها دون إعطاء العدوى أية فرصة للانتشار محليا . ومن المحتمل أن يستمر دخول حالات إضافية إلى أن يتم القضاء التام عالميا على فيروس الشلل إن شاء الله. وعند ذلك تكون الفرحة الكبرى. وحتى ذلك اليوم لا ينبغي التهاون أبدا في استمرار الجهود المبذولة لمكافحة الشلل بكافة الوسائل الموضحة أعلاه التي ثبتت فاعليتها على مدى السنوات الماضية.