أفيــــــاء
من هو المتهم؟
استحوذ الحديث عن السحر والسحار على المساحة الكبرى مما ينشر في الصحف هذه الأيام حتى كاد يشغل الأذهان عن كثير من القضايا المحلية والعربية والعالمية. وما تنشره الصحف من أخبار كثيرة عن جهود هيئة الأمر بالمعروف ومطاردتها للسحرة والساحرات وما تجده لديهم من بينات ممارسة السحر، يعطي مؤشراً على أننا مجتمع، مع الأسف، يجد فيه السحرة أرضاً خصبة تنمو فيها تجارتهم وتزدهر، فلو لم يكن هناك مناخ ملائم لتجارة بيع السحر لما فرّخ السحرة وعششوا في أراضينا، فالطير يقع حيث يلتقط الحب.
علينا أن نعترف أننا مجتمع تتدنى فيه نسبة الوعي بين السكان، وترتفع فيه نسبة الجهل، ويتضخم فيه حجم الموروث الحافل بأخبار (انجازات) السحّار، وهذا كله يجعل من المجتمع بيئة ملائمة لأن تنشط فيها هذه التجارة المحرمة. وقد يتساءل البعض مستغرباً، كيف يمكن للناس أن يندفعوا نحو السحر كل هذا الاندفاع الملفت للنظر وهم يتعلمون في المدارس حرمة هذا السحر وحرمة التعاطي معه في أي شكل كان! وقد يتطرف البعض فيأخذ في لوم المدارس ويتهمها بالإخفاق في تعليم الدين وغرسه في نفوس الطلاب غرساً يصونهم عن الوقوع في شباك السحر والسحرة.
وفي ظني أننا إذا كنا نريد أن نحاكم التعليم حول هذه المسألة بالذات فإننا لا ينبغي أن نحاكمه بتهمة الإخفاق في تعليم الدين، وإنما بتهمة الإخفاق في بناء الشخصية المتكاملة التي تعرف كيف تواجه الصعوبات، وتسعى إلى تحقيق الأماني بأساليب واقعية فعالة وليس باللجوء إلى الخرافات والأوهام. إن العلم بالحلال والحرام لا يكفي وحده للردع، فالإنسان بشر وقد يضعف أحياناً أمام أهوائه ورغباته، وكم هم الذين يعلمون جيداً بحرمة الخمر أو الزنا أو الاختلاس أو الغش أو غيرها من المعاصي ومع ذلك يقعون فيها، فالوقوع في المحرم لا يحدث للجهل بحرمته، وإنما لوجود عوامل أخرى في شخصية الإنسان تتسبب في الوقوع فيه، كضعف الإرادة، والأنانية، واستسهال الكذب، وعدم الشعور بالمسؤولية وغير ذلك من خصائص في الشخصية تزين للإنسان اتباع مسالك محرمة.
ومن الخصائص التي تبرز في شخصيات الشباب هذه الأيام كدلالة على إخفاق التعليم في بناء شخصيات أفضل، النفور الملحوظ لدى كثير منهم من العمل الجاد، وغلبة الكسل وطلب الراحة مع الانغماس في تتبع المتع الحسية. وغني عن القول إن الجمع ما بين الحصول على الاحتياجات الحسية، والكسل والنفور من العمل، أمر صعب التحقق، فكان أن ظهر اللجوء إلى السحر، طريقاً سهلاً لتحقيق ما يعجز الكسل عن تحقيقه من الأحلام والاحتياجات المتعددة.
فالشخصيات الخاملة التي لا تريد أن تتعب أو تفكر أو تعمل، تلجأ إلى السحر تتوقع أن تجد فيه ما تبغى بلا جهد أو عناء.
ص.ب 86621 الرياض 11622
أضف تعليقك