في معرض الرياض الدولي للكتاب تجد كل ما تتمناه من إصدارات وكتب: في الدين والتاريخ والسياسة والفلسفة والآداب والأبراج والسير الذاتية والكمبيوتر.. شيء واحد يغيب هناك كما يغيب في مكتباتنا السعودية بالطبع، إنه البحث العلمي الجادّ عن المجتمع السعودي، عن تغيّـراته والظواهر الجديدة والحادثة منه وفيه، عن تلك الإشكاليات والمجتمعات الأخرى التي تتعامل معه وبالعكس، عن آثار العولمة بكل أبعادها عليه، عما يأمله هذا البلد من العالم وما يأمله العالم منه. تجد هذا النقص -بل الندرة- مُستغرباً إن لم تفتنك عناوين الكتب والمؤلفات وهي تتراصّ لأول مرة على رفوف دور النشر المرموقة!
يُكتب عن هذا المجتمع على شكل وقائع تضعها شخوص رواية بشكل مُتعجّل مُسطّح. وقد تعرف بعضاً مما يجري داخله من خلال كُتب يصطدم فكر مؤلفيها بعضها ببعض بشكل مُشخصن.. وبعيداً عن المنهج العلمي. وقد تحكم على حياته الفكرية -باستعجال- إن أنت قرأت بعضاً من شعره المليء بالتكلف وأغراض الأقدمين المندثرة المتجددة، وقد تقطع برأي مشوش أملته عليك محتويات الصحف التي يصدرها مجتمعنا.
.. لكن بعيداً عن كل هذا يطرح السؤال التالي: أين الدراسة ذات

متى يُصبح مجتمعنا قادراً على احتمال «الترف» العلمي ومخاطره؟

الأطر المنهجية العلمية والتي تدرس الظواهر داخل المجتمع السعودي؟ أين تلك البحوث عن أخطر التغيرات التي تلامس أسرع المجتمعات الإنسانية في وقتنا الحاضر -بلا مبالغة- تغيراً؟!
لن تجد مبتغاك -إن وجدته- إلا في مخازن مكتبات الجامعات المتربة، أو حيث تنام منذ سنوات والعتمة تلفها، لدى جهات علمية أخرى سبق أن طلبت مثل هذه الدراسات وأنفقت المال الكثير لإنجازها! ألا يستحق المجتمع السعودي أن يُنشر عنه وله آلاف الكتب والدراسات والأبحاث؟ عن المجتمع الذي يشتري بعض أفراده في الداخل والخارج ما لا يُحصى عدده من المؤلفات المليئة بالغث والسمين، في نفس الوقت الذي يُحذر بعضه الآخر من ردّة الثقافة والمثقفين؟ أليست هناك التفاتة لهذا المجتمع الذي كان -قديماً- لا يقف في طابور جوازات العالم تقديراً له، وإذا به في سنوات قليلة ينتظر «منحه» تأشيرة قد تطول لدخول بُلدان الواق واق؟ أكثير على مجتمع مثل مجتمعنا جهد علمي هنا وهناك يُفسّر لنا ماذا يحدث، وهذا الداخل يتعامل بالمليارات بعد أن كان يتعامل لعقود مضت بالمقايضة؟ هل جفت الأقلام وعقرت العقول فقط عندما يحتاج أبناء هذا الوطن لمن يفسر لهم لماذا تحوّل المجتمع الآمن البسيط المتكافل إلى مجتمع يوصف بالإرهاب وينعت بالانغلاق حيناً وبالتفلت حيناً آخر، وتكاد مشاعر المحبة والمودة تنزاح بمظلتها الحانية عن رأسه؟ بيئة طبيعية قليلة الشجر نادرة الحيوان، يقطع بجرأة وتعسّف ما تبقى من خشبها، وتُعلق -للعبرة- بعد تسميمها وتشويهها وحوشها ذات الفصائل النادرة، ألا يدفع كل ذلك شخصاً ما.. جهة ما إلى إرشادنا مرجعياً لكيفية إيقاف ذاك الاغتيال المُمنهج للهواء والماء -حلوه ومره- والأرض ومن يدبّ عليها؟! مؤشرات رقمية صارخة عن العنف بأنواعه.. الإدمان والسرقة والاعتداء واختطاف الأطفال وإشكاليات الطلاق والخلافات الأسرية، ألا تدفع تلك المؤشرات بهذا الدارس -أو الدارسين- إلى أن يُشمّر ذراع الجهد المُثاب ليقول لنا: أين الخلل؟ وما هي مصادره؟ وكيف العلاج من هذه الأسقام الاجتماعية؟
طرحت كل هذه الأسئلة وأنا أكتب هذا المقال على صديق يجمعني به مجلس، وتمنيتُ أن أسمع منه إجابة على أسباب النقص والندرة المعرفية لمثل هكذا بحوث، لكنه أجابني إجابة صاعقة وهو يبحث عن قناة ترفيهية جديدة يصنعها مالنا الخليجي: ليس بعد.. لا يتحمل مجتمعنا مثل هذا «الترف» العلمي ومخاطره!
ما رأيكم أنتم: ليس بعد؟!