كشف المستور- فنانون خلف القضبان (1)
في محترف السجن للرسم والحفر والتصميم
عبدالرحمن القاتل يبدع لوحة الندم.. وإسماعيل المروِّج يتقن الحفر كتقطيع الحشيش
محمد حضاض (جدة)تصوير: مديني عسيري
هناك مفاهيم ومقولات راجت عن السجن وترسخت في ثقافتنا وذاكرتنا الشعبية حتى أصبحت كالأمثال السائرة!!
من تلك المفاهيم والمقولات: «السجن للرجال»، رغم ما يكشف هذه المقولة من تمجيد للسجن وتعظيم لشأن بعض السجناء داخله بينما الحقيقة على العكس من ذلك تماماً وإلا لما توانى أحدنا في دخول السجن!ومن تلك المقولات الشائعة ايضاً «ياما في السجن مظاليم» كأنما هناك بعض الاشخاص الذين يُزج بهم في السجون ظلماً وعدواناً في حين ان المحكوم عليهم ما كانوا ليدخلوا السجن لولا جرم اقترفوه اللهم إلا من بعض الحالات النادرة جداً التي لا تمثل سوى الاستثناء الذي يثبت صحة القاعدة.إلا أن هذه المفاهيم والمقولات المغلوطة ما كانت لتترسخ في أذهان البعض لولا ثقافة السينما والمسلسلات التلفزيونية التي عادة ما تمجد «البطل» في سبيل انتصارها لقيم الحق والعدل.ولولا بعض الأحكام الجائرة والاخطاء نادرة الحدوث، ولكن في ظننا أن المفهوم المعاصر للسجون كمؤسسات تربوية هو الأقرب الى الصواب، والدليل على ذلك هذه الجولة التي قامت بها «عكاظ» في سجن بريمان بمدينة جدة واكتشافها هناك عدداً من المواهب التي تقبع خلف القضبان فيما يعمل على تنمية هذه المواهب محترفون واخصائيون ما انتج لنا أعمالاً ولوحات فنية في غاية الابداع والجمال!!
من هؤلاء السجناء الفنانين عبدالرحمن جميل الذي كان قبل عامين يعيش حياة هانئة لم يكدر صفوها سوى اصدقاء السوء الذين ادخلوه الى عالم المخدرات في حين كان يمتلك موهبة في الرسم فيما لو وجد التوجيه المناسب لكان واحداً من التشكيليين الذين يشار اليهم بالبنان.
إلا أن المخدرات أجلت تفتق موهبته الى ان دخل السجن وهناك انضم الى محترف الفنان عبدالحافظ الغامدي الذي تبرع بافتتاح مركز مهني داخل السجن لاكتشاف المواهب وصقلها بواقع 20 نزيلاً في كل دورة.
في إحدى الليالي أفرط عبدالرحمن في شرب الخمر حتى غاب عن الوعي ولم يفق من سكرته الا وهو بين أربعة جدران داخل السجن فأخذ يسأل: لماذا أنا هنا؟ فجاءته الاجابة كالصاعقة: «لقد قتلت صديقك يا عبدالرحمن»!!
عاش عبدالرحمن حالة نفسية سيئة وهو يلوم نفسه على ما فعل وأصبح ملازماً لدار الرعاية الاجتماعية نظراً لصغر سنه لا يريد الخروج منها والسبب هو شبح السكين الذي لا يفارقه عندما غرسها -دون وعي منه- في قلب صديقه عندما كانا يحتسيان الخمر..
وبوصوله السن القانونية، تم تحويله الى السجن وهناك انكفأ على ذاته في انطوائية ظاهرة حتى ان العنبر الذي يضم 160 نزيلاً بالكاد يعرف منه اثنين!
كان يخشى المجهول وحد السيف.. وللحظات كان يفكر في الرسم الذي يهواه ولكن سرعان ما يطرد الفكرة من رأسه قائلاً في نفسه «أنا في سجن ولست في مدرسة».
وبعد ثلاثة أشهر من تحويله الى السجن دخل عليهم ذات صباح فنان تخصص في النحت والتصميم مفتتحاً معهداً صغيراً لاكتشاف مواهب النزلاء الفنية بهدف تفجير الطاقات الكامنة لديهم وتعليمهم فنون النحت والرسم والتصميم وعندما عرض أهدافه على نزلاء العنبر كان عبدالرحمن أول من استجاب لدعوته الدفعة الأولى.ومنذ اليوم الأول لالتحاقه بمعهد النحت والرسم استل ريشته من غمدها وعاود هوايته في الرسم وهو يريد انجاز لوحة جميلة تعكس ما بداخله من ندم على ما اقترفت يداه وكان له ما أراد عندما ابدع لوحة عبرت عن ندمه العميق وأصبحت حديث السجن بأكمله لما تميزت به من قيمة فنية عالية وتعبير صادق عن ندمه الأسيف.
تمحورت اللوحة حول معاني الندم والطمع في عفو أهل القتيل الذين قال انه سيهديهم اللوحة ليؤكد لهم من خلالها أنه لم يتعمد قتل صديقه.
طفولة فنية في حي الرصيفة
في حي الرصيفة بمكة المكرمة انهى عبدالرحمن دراسته الابتدائية بتفوق وفي منتصف المرحلة المتوسطة كان والده يصطحبه من دون ابنائه التسعة في جولاته بسيارته «البك أب» لنقل الحجاج والمعتمرين.
كان عبدالرحمن الطفل يكره الخروج مع ابيه مفضلا البقاء في الحارة بمنزله وهو ينتظر خروج شقيقه الاكبر انور من غرفته ليقوم بتقليد طريقته في الرسم.
يقول عبدالرحمن منذ ان كنت في العاشرة وانا أراقب انور حاملاً الريشة ليضرب بها على اللوحات بألوان مختلفة جميلة كانت تستثير فضولي وانتظر مغادرته بفارغ الصبر حتى انقض على باقي الاوراق والالوان وارتدى تلك الملابس الواقية من الالوان حتى احس بي شقيقي وقرر تعليمي هذا الفن.. فأصبحت ملازماً ومطيعاً لأوامره خوفاً من حرماني من الرسم.
ويستطرد عبدالرحمن في سرد رحلته مع الالوان وكيف انقطع عنها بسبب تعرفه الى تلك الشلة قائلا: خلال تلك الايام تعرفت الى عدد من الاصدقاء وبدأ بعضهم في جري الى عالم المخدرات الى ان استطاعوا اقناعي بان عالم المخدرات عالم رائع ومن شأنه ان يساعدني على تخيل لوحات جميلة ورسمها بطريقة مميزة قائلين: ان اغلب الفنانين لا يرسمون إلا وهم تحت تأثير المخدر.
صدقتهم خصوصاً عندما عزفوا على ذلك الوتر الحساس الا وهو الرسم فبدأت في تعاطي المخدرات معهم ورويدا رويدا ابتعدت عن هوايتي المحببة لنفسي.
وحدث اثناء ذلك ان تعرفت إلى شخص اصبح في ما بعد احد اعز اصدقائي كان هذا الشخص يسكن في جدة ولكنه كان يأتي للقاء اقاربه في مكة ومع مرور الايام تعمقت علاقتنا الى درجة أصبحت اذهب اليه الى جدة نهاية كل اسبوع وهناك مع ابناء حارته كنا نتعاطى كل مايقع في ايدينا من مسكر او مخدر واستمررنا على هذا الوضع ثلاث سنوات.يطأطئ عبدالرحمن رأسه الى الارض كمن يعتصر افكاره للحديث عن ذكرى مؤلمة قائلا: في احدى الليالي بنهاية عام 1425هـ تناولنا المسكر بغرفة صديقي حتى ساعة متأخرة من الليل حتى غلبه النعاس فنام بينما ذهبت انا الى مكة وفي صبيحة اليوم الثاني فوجئت بصديقي الجداوي يطرق بابنا على غير عادته ويطلب مني الخروج لمرافقته الى جدة بينما كان واضحا انه يخفي امرا الا انه لم يكاشفني فيه الا بعد ان اوقف محرك سيارته امام منزلهم وطلب مني ان اعيد ذهبه الذي يدعى انني سرقته وقيمته 80 الف ريال وعبثا احاول ان انفي التهمة عني.
وفي الليل ذهبنا الى شقة احد الاصدقاء وتناولت المسكر وما ان لعبت الخمرة برؤوسنا حتى عاد الى تهديده ووعيده لي بالويل والثبور ان لم ارجع اليه الذهب المسروق مما اشعل فتيل الخلاف بيننا ودخلنا في مشاجرة حاول خلالها ضربي مما استثار غضبي فركضت نحو المطبخ واخذت منه سكينا وانا في حالة هياج، اعترضني صديق اخر محاولا تهدئتي والحيلولة بيني وبين صديقي ودون ان اشعر اصبته في صدره واذا به يصرخ ويسبح في دمائه حتى لفظ انفاسه الاخيرة، لم نستطع اسعافه وسرعان ما القت الشرطة القبض علي وايداعي السجن بتهمة القتل. وها انا اموت كل يوم مئة مرة واتمنى من صميم قلبي ان يعفو اهله عني.
وسرّ عبدالرحمن الذي تركناه محتضنا لوحته المعبرة عن ندمه الى اسماعيل جميل الذي وجدناه وهو يحفر في احدى القطع.
توقف اسماعيل للحظة والتفت الينا كأنه اراد ان يبوح بمكنوناته قائلا: كأنني اجيد هذا العمل منذ سنوات فقد اعتادت يداي على شراء الحشيش وتقطيعه الى اجزاء اخيرة مستخدما سكين جدتي في المطبخ لانجاز المهمة ولذلك عندما طلب مني الاستاذ عبدالحافظ الانضمام اليهم في الحفر والتصميم احسست بقربي منهم.. يعود اسماعيل بذاكرته قليلا الى الوراء قائلا: كنت في بداية حياتي طبيعيا كأي شخص اخر لولا ان عكر طفولتي ان والدي قبض عليه بتهمة بيع المخدرات الامر الذي ادخلني في دوامة من العقد النفسية التي لاتنتهي ويواصل.. عشت أولى ايام حياتي بحي الجامعة في منزل جدتي بجدة وذلك عقب طلاق والدتي من والدي الذي دخل السجن ولم يسأل عني احد، وحتى بعد خروج الوالد تركني وذهب للعمل في مكان بعيد عن جدة لانه كره والدتي بشدة لاعتقاده بأنها خانته بطلب الطلاق منه عقب دخوله السجن.. وبناء على ذلك كرهني انا ايضا لانني كنت ثمرة للعلاقة التي كانت بينهما ولم يسأل عني ابدا فاستقر في اقصى الشمال وتزوج من جديد وخلف ابناء وبنات ورماني لدى جدتي التي لا يزورها الا مرة في العام وخلال تلك الزيارة يبحث عن اي شيء ليعكر به صفو اللقاء ويبدأ في التهكم على والدتي وكأنني المسؤول عما حدث بينهما!!
ورغم الحزن الذي اكتسى محيا اسماعيل الا انه واصل حديثه قائلا: عشت وسط أجواء مكهربة للغاية مع جدتي التي كانت تحاول الحفاظ علي بأي طريقة واستمررت معها حتى توفيت وعمري لم يتجاوز التاسعة وانتقلت للعيش مع جدي لوالدتي الذي كان يعيش في «الهنداوية» ويبحث عمن يرعاه فكيف بي وقد اصبحت هما جديدا على قلبه.لم اتجاوز المرحلة المتوسطة فقد توقفت على الفور هناك وخرجت منها بعد الرسوب المتوالي وكان جدي وجدتي يحاولان ادخالي العديد من الوظائف والاعمال ولكنني اتعلل بصعوبتها تارة وبعدم قدرتي الجسدية تارة اخرى حتى اتفرغ للبقاء مع اصدقائي الذين كونت معهم شلة للانس لايمكن نسيانها فقد كانت بداياتنا في لعب كرة القدم ثم اتجهنا لتقليد الشباب الذي يكبروننا في السن وهنا وقعت «الكارثة»!ومن اجبرك على ذلك سألته فقال: لم يجبرني احد ولكن حب الاستطلاع فقد كنت اسمر لدى احد اصدقائي (سالم) واعمارنا بالكاد تلامس الخامسة عشرة، وعقب انتصاف الليل طلب مني ان ارافقه لغرفة اخيه ليريني شيئا غريبا وهناك وجدناه برفقة احد اصدقائه وقد اعياهما الخمر وانخرطا في نوم عميق وطلب مني ان اتذوق كأسا من كؤوسه بالبيبسي وتذوقته مرة واخرى حتى احسست بدوخة بسيطة انا وصديقي فهربنا للاسفل واعجبنا بالفكرة التي كررناها لاكثر من مرة واثناء ذلك، وصل انتشار المخدرات في داخل الحي بين الشباب والمراهقين الى درجة ان الذي لا يتعاطاها يصبح منبوذا وكان الجميع يتلهف لاثبات رجولته من خلال تناول اكبر قدر ممكن منها ورغم ان احد المراهقين مات امام اعيننا في احدى الليالي بعد تناوله جرعة كبيرة من المخدرات إلا اننا لم نتعظ بل كنا نضحك عليه ونضرب به المثل في الخوف والانهزام!
وماذا عن دخولك السجن؟ يجيب: تعرفت على احد اكبر موزعي الحشيش في جنوب جدة وكان يقصدني العديد من الاصدقاء للشراء من عنده نظرا للنوعية الجيدة التي يقدمها لنا وبعد فترة من التعاون عرض علي قطعة كبيرة لاقوم بتوزيعها بنظام التصريف ونجحت في المرة الاولى والثانية ثم انتقلت للشراء «بالكاش» حيث كنت اشتري منه ربع الكيلو من الحشيش بقيمة 2400 ريال واذهب به الى منزل جدي واستخدم (فرادة العجين) في اواخر الليل لاقوم بفرد القطعة الكبيرة وتقسيمها الى عدة اجزاء هندسية صغيرة مستخدما السكين ومن ثم ابيعها بمبلغ يتجاوز ستة آلاف ريال مما يعني انني اكسب اكثر من الضعف خلال فترة لاتتجاوز اليومين.ويواصل حديثه: عملت بذلك ما يقارب السنة تقريبا كنت خلالها اذا احسست بأن هناك من يراقبني اتجه الى حارة اخرى او اقوم بايقاف البيع لفترة معينة حتى تخف فترة الرقابة واستأنف العمل من جديد.