الجامعات التي تأخذ بفلسفة الجمع بين التدريس والبحث تطلب من طلابها الذين هم على وشك التخرج إجراء بحوث تسمى بحوث التخرج، وتجعلها من متطلبات التخرج، تغطي هذه البحوث تخصصات الجامعة: بعض البحوث يتصل بالدراسات الإنسانية وبعضها بمجالات العلوم، بعضها بحوث أساسية/ نظرية وبعضها تطبيقي.
هناك تساؤلات نودّ طرحها تتصل بهذه البحوث وبالطلاب الذين قاموا بإجرائها، هذه التساؤلات نحصرها في ما يلي: ما هو مصير هذه البحوث من حيث النشر؟ ما هو مصير هذه البحوث من حيث الاستفادة منها؟ هل يواصل الخريجون اهتمامهم بالبحث العلمي بعد بدء حياتهم الوظيفية؟ أما من ناحية النشر، فإن الكاتب -حسب علمه- يشكّ في قيام الجامعات بنشرها أو على الأقل ملخصات لها كل عام. إن في النشر ما فيه من اتاحة الفرصة لمن تعنيه هذه البحوث للاطلاع عليها والإفادة مما هو تطبيقي منها، اضافة إلى التعريف بنشاط الجامعة في مجال البحث العلمي وتقدير الجهد الذي يبذله الطالب والأستاذ المشرف على بحثه، لذلك فإن التوصية بنشر ملخصات هذه البحوث أمر يستحق في نظرنا الدراسة والتنفيذ بدلاً من إرسال البحوث إلى عالم النسيان وكأنها (همّ وانزاح!).
أما في ما يختص بالاستفادة من هذه البحوث، فإن بحوثاً لا تنشر وترسل إلى عالم النسيان يصعب القول بأن الجهات المعنية تستفيد مما ليس لديها علم به.
ويتضح مدى أهمية

الجامعات فشلت في غرس محبة العلم والمعرفة والاستزادة منهما

الاستفادة إذ أخذنا في الاعتبار عدد البحوث التي تعدّ سنوياً وهي بالآلاف، ونركز هنا بالذات على ما هو تطبيقي منها. وإذا كانت الجامعات مقصرة في النشر فإن جهات التوظيف المختلفة عليها أيضاً مسؤولية الاستفسار عن هذه البحوث والسعي لاقتناء ما يهمها منها ومن ثم الاستفادة منها في مجالها.
أما عن مدى قيام خريجي الجامعات بإجراء بحوث ودراسات علمية وهم على رأس العمل فأمر لا نسمع عنه كثيراً، وإذا كانت هناك إشارة إليه فهي إشارة أقرب إلى الهمس منها إلى الإفصاح، ناهيك عن الافتخار والتباهي. وإذا أردنا معرفة أسباب هذا الصمت الذي يصل إلى حد الإهمال لجانب البحث والدراسة في عمل مؤسسات التوظيف سواء أكانت في القطاع العام أو الخاص فإننا نذكر سببين أساسيين على سبيل المثال لا الحصر، هذان السببان هما:
1- عدم اهتمام المؤسسة نفسها بالبحوث والدراسات المتصلة بجوانب عملها ومهامها، وإنما ينصب اهتمامها على مراعاة الروتين أو التقيد بأنظمة وقوانين معينة لا يسمح بالخروج عنها حتى وإن كانت هذه الأنظمة والقوانين قد عفى عليها الزمن، مع أن طبيعة العصر تقول بأن زمام القيادة يجب أن يُعطى للبحث في أداء المؤسسات المختلفة، وكم من أخطاء ارتكبت، ومبالغ طائلة صُرفت نتيجة إهمال البحث، والسير وراء الروتين أو (هكذا خلقت)!
2- فشل الجامعات في غرس محبة البحث العلمي في نفوس طلابها وما يستتبع ذلك من محبة للعلم والمعرفة والاستزادة منها على الدوام، وما بحوث التخرج إلا مادة يطويها النسيان بعد التخرج، ويبقى التلقين هو السائد في عملية التعلم.
إننا نسمع ونقرأ كل لحظة عن وجوب مراعاة الجامعة لاحتياجات سوق العمل مع عدم توضيح هذه الاحتياجات أو حتى معرفتها، وعدم معرفة ما ينقص خريج الجامعة من إعداد لعالم الوظيفة. وهذا أدى إلى إهمال للوظيفة الأولى للجامعة وهي الاهتمام بالمعرفة جمعاً وتحقيقاً ونشراً وإضافة.
ورحم الله الرئيس علي عزت بيجوفيتش حيث كتب في كتابه: «الإسلام بين الشرق والغرب»: (إن تقليص الإنسان إلى مجرد وظيفة انتاجية استهلاكية- حتى ولو كان له مكان في عمليات الإنتاج والاستهلاك- ليس علامة على الإنسانية وإنما هو سلب للإنسانية، إن تدريب البشر على أن يكونوا مجرد مُنتجين، وتنظيمهم في صفوف المواطنين الصالحين هو أيضاً لا إنساني.
وبالمثل يمكن أن يكون التعليم لا إنسانياً إذا كان عملية من جانب واحد... إذا لم يكن يُعلّم الفرد كيف يُفكّر بطريقة استقلالية، إذا كان يقدم إجابات جاهزة، إذا كان يعد الناس فقط للوظائف المختلفة بدلاً من توسيع أفقهم وبالتالي حريتهم) ص88.
إن نشر ملخصات البحوث وإرسالها إلى جهاتها المختلفة، وضرورة اهتمام عالم الوظيفة بالبحث والدراسات العلمية، وغرس حب البحث في نفوس الدارسين وتشجيعهم عليه بعد التوظف أمور نعتقد أنها تستحق الدراسة..
والله من وراء القصد.