بالقطع هو ليس حادثا عابرا أو عارضا، أو حتى استثنائيا ذلك الذي حدث قرب مدائن صالح في منطقة المدينة المنورة لمجموعة من الأجانب المقيمين في المملكة. ما حدث لم يكن نتيجة خطأ أو جهل، الخطأ والجهل هنا متساويان، فهو خطأ متعمد في حق الدين أولا، وجهل متعمد، أو لنقل جهل واعٍ، بحقائق الدين الإسلامي العظيم ثانيا. هو حادث مدبر ومخطط له، سبقته حوادث مشابهة، وستتلوه، لا سمح الله، حوادث أخرى مشابهة، إذا نحن لم نتدارك الأمر بحسم ونعالجه بالجذر. المعالجة، أو المواجهة الأمنية مطلوبة وهامة بالطبع، غير أن الأهم هو المعالجة والمواجهة الفكرية.
هؤلاء ليسوا صبية عابثين، أو حتى مغرراً بهم، والفكر الذي يقودهم ويؤصل لخطواتهم الإجرامية، ليس فكرا مستوردا، بل نتاج محلي يعتنقه أبناء لنا وإخوة زينت لهم مراجعهم الدينية خطوات الشيطان هذه، صبية علم لم يحصلوا من العلم الشرعي إلا على قشوره وفتاته يفتون بحل دم غير المسلم، غير مفرقين بين حال حرب وحال سلم، أو بين مقاتل ومستأمن، ناهيكم عن رفضهم المعاهدات الدولية والمواثيق العالمية، فهم يعيشون في متاهة مظلمة خارج التاريخ. بل بلغ عمى الألوان لديهم، أنهم قد يحرضون على إخوة لهم في الدين والوطن، حوادث كثيرة وقعت بيت ظهرانينا تمثل هذا التوجه ولم نعرها الاهتمام الكافي، تذكرون من اختلف مع مؤذن مسجد حول أذان يوم جمعة، فأرداه قتيلا أمام المصلين، ومن امتنع عن الصلاة على ميت بدعوى أنه كان تاركا للصلاة، أو مخالفا في المذهب، برغم رأي جمهور العلماء في ذلك. فكر كهذا موجود بيننا، ولا ينفعنا

الآخر في الإسلام ليس
هو العدو ولا يعني
الكافر ولا المخالف

فعل النعام بنفيه، فكر يحمل رأيه على حد سيفه، ويأخذ على يده تفعيله وفرضه. فكر كهذا حري بأن، لا أقول يحارب، بل أن يكشف بإتاحة المزيد من منابر الرأي الآخر، فالفكر لا يفله إلا فكر مقابل مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه.
ما حدث في مدائن صالح يعكس فكرا منظما لجريمة منظمة، والاعتقاد بأن المستهدفين كانوا أجانب غير مسلمين لا يغير من الأمر شيئا، فاستهداف الأجانب المستأمنين محرم في الإسلام. ولا يجوز القول إنه مجرد محاولة إثبات وجود لخلايا تحتضر، أو للنيل من الإنجازات الأمنية، أو نتيجة إحباط هذه الجماعات التي رفعت السلاح ضد المجتمع والدولة، كل هذا تبرير مبطن وتعمية عن فكر معلن. هذه جرائم ضد الدين أولا، وضدنا ثانيا، كمسلمين في أوطانهم أو جاليات مسلمة تعيش في الخارج، والجريمة هنا لها طرفان، فكر يهدر دم غير المسلم، وطرف ينفذ ذلك، إذ إن خلف كل رصاصة تطلق يوجد عقل مغلق يعكس فكرا أسود، فكرا يدور حول ذاته وينفي الآخر، ولا يعترف بغير نتاجه الفكري الأكثر سوادا، وما لم نفلح نحن في فتح هذا العقل المغلق وتنوير هذا الفكر الأسود، لن يتوقف انهمار هذا الرصاص المطلق.
ولأن ما حدث لم يكن حدثا عارضا، فإن ما سمعناه أو قرأناه من تنديد في خطب الجمعة الماضية لا يكفي وحده، الأمر يتطلب حملة فكرية مستمرة للتنوير ضد ظلامية هذا الفكر، محاضرات دورية، ندوات موسمية، لقاءات فكرية متكررة حتى مع أصحاب هذا الفكر المنحرف بكل درجاته، من يؤصل له، من يموله، من يحميه، ومن يتعاطف معه. ولمعرفة نسبية ذلك بيننا عليكم بمنتدياتنا العنكبوتية، فمثل هذا الفكر له خطورته على العامة لأنه يخاطب عواطفهم لا عقولهم. وهنا يأتي دور علماء ديننا الأفاضل، تنوير العامة بمخاطر مثل هذه الأفكار الضالة المضلة ضد الآخر وضررها على الإسلام والمسلمين وغير المسلمين، هنا يأتي دور مثقفينا وكتابنا الكرام، لا في الهجوم على هكذا فكر فحسب، بل بنشر الفكر الإسلامي الصحيح وحقيقة سماحة الإسلام وقيمه العليا عن أعمال إجرامية تمارس باسمه.
الآخر في الإسلام لا يعني دائما العدو، ولا يعني دائما المخالف، ومع هذا نجد من يستخدم كلمة الكافر لوصف الآخر، فإن تدنى درجة وتلطف قال مخالف، وكثيرون يفرطون في استخدام كلمات بين ذلك، وكلها تصب في تخطئة كل مختلف في الرأي، فهم يريدون جعل البشر أمة واحدة بعكس سنة الله في الأرض. نحن بحاجة إلى نشر ثقافة التسامح وتقبل الآخر حتى المخالف في العقيدة، ونبذ ثقافة الكره المستترة خلف نصوص دينية مجتزأة جردت من سياقاتها، وأقحمت عنوة لتبرير وجهات نظر شريرة لا تعي حقائق الدين ولا مراميه ولا غاياته. نحن بحاجة لنشر معنى قيمة الآخر في الإسلام، ونشر ثقافة الاختلاف التي لا تعني الخلاف. الآخر في الإسلام ليس شريرا دائما، يقول الحق سبحانه « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين».
أين القسط هنا؟ كيف ادعوه كافرا ثم أسعى إلى هدايته ودعوته، كيف أدعوه للإسلام بدون القدرة على التعايش معه؟ أهكذا انتشر الإسلام في مجاهل أفريقيا ومعالم أوروبا! أهكذا نعرف الإسلام للعالم غير المسلم!