مضحوك عليه .. !
يوم الثلاثاء 27 فبراير 2007، تعرضت قاعدة باغرام ، المقر الرئيسي للقيادة الامريكية في افغانستان، لهجوم انتحاري، والخبر عادي جداً، لو لم يكن ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي موجوداً في القاعدة، وهو لم يعقد مؤتمراً صحـــافيا وغادر سريعاً بعد لقاء خاطف مع حامد كارازاي، ولا ادري اين ذهبت معلومات الاستخبارات، او الانذارات الاستباقية التي تميزت بها امريكا. تشيني رد في مقابلة اجرتها معه الاعلامية الامريكية غلوريا بورغر، في برنامج كابيتل ريبورت، على محطة سي إن بي سي، يوم 17 يـونيو 2004، اي بعد يوم واحد من صدور تقرير لجنة 11 سبتمبر التمهيدي، رقم 15، المكون من 12 صفحة (النسخة النهائية للتقرير صدرت في 22 يوليو 2004) الذي قال بعدم وجود علاقة تعاون بين العراق والقاعدة، بالتشكيك في محتواه واللعب على وتر الكلمات التي اوردها، فقد اشار التقرير، الى ان بن لادن كانت له اتصالات بالعراق، فترة اقامته في السودان، رغم معارضته لنظام صدام العلماني، ودعمه للاكراد المسلمين المعارضين للنظام، وحاول السودانيون حفاظاً على علاقاتهم بالعراق، اقناع بن لادن بان يوقف تمويله للاكراد، ويفتح قنوات اتصال مع النظام العراقي، وقام ضابط كبير في المخابرات العراقية، بثلاث زيارات للسودان، قابل في احداها بن لادن عام 1994، وطلب الاخير من الاول، توفير اماكن لمعسكرات التدريب، ومساعدتهم في الحصول على اسلحة، الا ان العراق لم يرد على طلبات بن لادن، ويكمل التقرير بأن المعلومات تشير الى اتصالات بين بن لادن والعراق، بعد عودته الى افغانستان، ولكنها لم تنتهِ الى علاقة تعاون، ولا توجد ادلة معقولة تؤكد قيام تعاون بين القاعدة والعراق في اعتداءات موجهة للولايات المتحدة. طريقة تعامـــل نائب الرئيـــس الامريكي

61 بالمائة من الأمريكيين يعتقدون أن صدام قدّم دعماً لتنظيم «القاعدة»

مع نتائج التقرير، مثيرة للتأمل،ربما لان الادارة الامريكية، ركزت في تبرير حربها على العراق، على وجود اسلحة دمار شامل، تشكل تهديداً على امريكا، لانها قريبة من منظمات ارهابيـــة لها عـــــلاقة وثيقة بالعــــراق وخصـــوصاً القاعدة، وبيـــن استطـلاع للرأي قام به مركز بيو الامريكي للابحاث، في اكتوبر2002، ان ثلثي الامريكيين، يرون بأن صدام حسين، ساعد الارهابيين في اعتداءات سبتمبر. قال ديك تشيني في المقابلة، ان الاتصال يعني وجود علاقة تعاون، اي انه لم يفرق بينهما، ومارس ما وصفه توماس نيلســون والين ويلي(2001) بقدرة اصحاب السلطة على وضع تعريفات محددة لمسار الحوارات السياسية، بعد ان رأى ان التقرير مبهم وغير واضح، واستخدم مكانته السياسية، او رأس المال المعنوي كما اسماه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه: الفارق، نقد اجتماعي لمسألة الذوق (1979) في بناء المصداقية واضعاف التقرير، فقد علق ان اللجنة لم تناقش المصادر المطلعة، في الموضوعات التي عالجتها، اي لم يناقشوه والادارة الامريكية، بــل وذهب الى ما هو ابعد، فقال ان بن لادن قابل ضباط استخبارات عراقيين، في خريف 1995 وصيف 1996، وفق شهادة جورج تينت، رئيس سي آي أي السابق، امام لجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ، يوم 12 فبراير 2003، وان الزرقاوي، خرج من افغانستان بعد دخولهم اليها، وذهب الى العراق في مايو 2002، و تبــادل، عن طريق طرف ثالث، معلومات مع الاستخبــارات العراقية، مرتين على الاقل، مايشير الى علاقة بين العراق والقاعدة قبل سنة من احتلال العراق، وان عبدالرحمن ياسين، الذي استجوب في تفجير مركز التجارة عام 1993 وافرج عنه، غــادر الى العراق، والسجـــلات العراقية تثبت، انه كان يستلم راتباً من الحكومة، واعطاه صدام بيتـــاً، وهو دليل آخر على العلاقة بالقـاعدة، مع ان ياسين افرجت عنه اف بي آي الامريكية، لأن التهمة لم تثبت عليه. ما قـام به تشيني يسميه بيتر ادامز و اليسون تاونز ونيكولا غافي ( 1995) بصناعة الحقيقة المسلم بها، ويكــــون بـــاستخـــدام عبـارات لها صفة التـــأكيد في اكثر من جملة، الى جانب الاستشهادات المنسجمة، باعتبارها ادلة بديهية وحقيقة مطلقة، وكمثال لاثبات الاهتزاز في رؤية تشيني ، تقرير سي آي أي، الذي ارسل الى صناع السياسة الامريكية، في اغسطس 2004، وذكر بأن الزرقاوي لم يتلق دعماً من صدام حسين، و قالت بورغر في المقابلة، ان تقارير الاستخبارات الامريكية، اوردت أن الزرقاوي لم يتصل بالقاعدة الا بعد سقوط نظام صدام. اما رأي الشــــارع الامريكي فقـــد مال الــى وجهة نظر ديك تشيني، ولم يلتفت الى نتائج تقرير لجنة 11 سبتمبر، واظهر استطلاع للرأي اجرته إن بي سي نيوز مع واشنطن بوست في مارس 2005، ان واحداً وستين في المئة من الامريكيين، مازالوا يعتقدون بأن العراق قدم دعماً مباشراً للقاعدة قبل احتلاله. يقول ستيوارت هول (1997) بان المعرفة المرتبطة بالسلطة لا تفرض ارادتها على الحقيقة وحدها، وانما تستطيع ان تجعل من نفسها حقيقة، و قدمت ماري بوشولتز و كيرا هول في: اللغة والهوية (2004) مفهوم التكامل في بناء هوية الاشياء، والمفهوم يصف علاقة يتم فيها تحييد الاختلافات المحتملة، لمصلحة المتشابهات الاكثر ملاءمة للموقف، وفي حالة القاعدة والعراق، فإن فرض التشابــه بين الاثنين، والنظــر اليهما كعدو واحد، مع حذف الاختلافات التي تضعف هذا الـرأي، يلائم موقف الحرب على الارهاب، والنموذج قابل للتطبيق، باختلاف الاطراف، في أية حرب امريكية جديدة، والنتيجة ان المجتمع الامريكي «مضحوك عليه...!»
binsaudb@ yahoo.com