بالأمس تناولنا مفهوم البراء والولاء واغتيال معناه الصحيح بالتعصب والغلو واليوم نواصل بحث هذه الاشكالية التي انتشرت في عالمنا الاسلامي لسبب الخلل في فهم مقاصد فقه الجهاد وعدم الترسيم الدقيق لحدود البراء من الآخر.
الدكتور حامد بن احمد الرفاعي الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الاسلامي ورئيس منتدى الحوار العالمي يرى ان الاشكالية الكبرى في مسألة البراء تكمن في التداخل المخل عند البعض بين حدود دوائر العقيدة والشريعة والرسالة وهذه الدوائر متكاملة ولا تلغي احداها الحدود الوظيفية لكل منها فالعقيدة لها حدودها واحكامها واصولها ومعاييرها والشرعية لها حدودها وأحكامها وقواعدها ومبادئها وضوابطها.. وكذلك الرسالة لها.. فينبغي ان توضح هذه الحدود وظيفياً وتخصصاً.. مع المحافظة على روح التكامل والتلازم بينها في اطار وحدة الدين والمنهج العام للاسلام.
ويضيف الرفاعي.. استطيع القول ان دائرة العقيدة والاعتقاد هي المسؤولة بشكل اساسي عن مسألة البراء والولاء.. باعتبار ان اهل كل ديانة لهم معتقدهم الخاص بهم والمعتقدات هي أساس الاختلاف والتناقض بين الاديان.. فكل اهل ديانة يرون ان ما هم عليه من الاعتقاد، هو الحق الذي يدينون به الى ربهم وإلههم الذين يؤمنون به، ويعتقدون بصفاته واسمائه واحواله.. وعلى هذا الاعتقاد تقوم في نفوسهم قاعدة البراء مما يعتقد به الآخر.. ممن ليسوا على ما هم عليه من الاعتقادات.. ومما يدين به الآخر من صفات الله واسمائه واحواله على خلاف ما يؤمنون ويعتقدون.. ونحن المسلمون شأننا في ذلك شأن كل اتباع الاديان.. وهذه مسألة جوهرية في دين الاسلام لا تحتمل المجاملة، ولا المساومة، ولا المداهنة، ولا تخضع لكل المغريات او المكرهات فالبراءة في مسألة العقيدة والاعتقاد واضحة وجلية وحازمة عندنا مع من هم على خلاف اعتقادنا.
الدائرة المغلقة
ويؤكد الدكتور الرفاعي حقيقة ان دائرة العقيدة مغلقة الصلة بين المسلمين وبين الآخر «لكم دينكم ولي دين» وهذا شأن الآخر تجاهنا كذلك.. فهو كذلك لا يجامل ولا يساوم فيما يعتقد ويؤمن.. لأن

د. الرفاعي: رفض التعامل مع الآخر شطط يدفع الى الممارسات الحمقاء
ابن بيه: البراء من الاعمال وليس الاشخاص وهؤلاء استباحوا دماء المسلمين
الاحمري: الشحن العقدي والتحليلات القاتلة تكرس التعصب للذات

مسألة الاعتقاد هي أساس الاختلاف والافتراق والتناقض بين أهل الاديان.. والمسلمون في ذلك على قلب رجل واحد ولله الحمد.. والبراء هنا هو براء من الاعتقاد الديني الذي يعتقده الآخر فحسب وليس براء من انسانيته ودوره في الحياة.. او بعبارة أخرى هو براء من الانتماء العقدي.. وليس براء من الانتماء البشري.. او قل ان شئت براء ولاء وليس براء اداء وتعاون.
توسيع الدائرة
ويبين د. الرفاعي ان الاشكالية الكبرى التي وقعت بها القلة القليلة من المسلمين.. انهم وسعوا دائرة العقيدة، التي هي مناط مسألة الولاء والبراء على حساب دائرتي الشريعة والرسالة.. بل ان بعضهم وسع دائرة العقيدة حتى الغت وطمست دائرتي الشريعة والرسالة.. واصبحت نافذة العقيدة وما يتبعها من احكام، هي النافذة الوحيدة التي يطلون منها على الدنيا من حولهم.. وهي المعيار المطلق في التعامل مع الآخر.. ومن هنا نشأت مسألة التضخيم والغلو بمفاهيم الولاء والبراء.. وما تبعها عند اصحاب هذا الفهم من مبالغات وشطط فاصبحت عندهم أساساً عقدياً لما يصدر عنهم من احكام وافتراءات.. ولما تقترف أيديهم من ممارسات حمقاء.. ولما وقعوا به من انحرافات وضلالات.. ولما يمارسونه من جرائم وانتهاكات ودمار بحق المسلمين وغيرهم.. وكل ذلك- للاسف- يمارس زورا وبهتاناً باسم الاسلام وباسم الجهاد في سبيل الله.
اخطر الفتن
ومن اخطر فتن هذا الفهم السقيم لمسألة البراء والولاء.. ان هذا النفر من المسلمين ذهب مذهباً خطيراً واعتبر ان كل علاقة تقوم بين المسلمين افراداً وجماعات ودول غير المسلمين ممن باعتقادهم يصح بحقهم واجب البراء منهم انما هي علاقة ولاء وخضوع لغير الله وبالتالي فحكمهم عندهم هو البراء منهم ومعاداتهم ومن يصح بحقهم من الاحكام ما يصح بحق الكافرين والظالمين والمحاربين لله ورسوله.. يجب معاداتهم ومفاصلتهم واستباحة دمائهم واموالهم وقتالهم، باعتبار ان دارهم- حسب فهمهم- اصبحت «دار حرب» بسبب موالاتهم لاعداء الله.
الفهم الأحمق
فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن بيه اوضح ان البراء مفهوم عقدي يكون بالبراء من الاعمال وليس من الاشخاص ويدلل على ذلك بقول الله تعالى (فان عصوك فقل اني بريء مما تعملون) وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد) فالبراء اذن براء وجداني عقدي مما يعتقد الآخر ويعمل، وليس براء من انتمائه البشري، أو من التعاون معه في ادائه الحضاري الحياتي، فنحن والآخر شركاء في الاداء الحضاري، وشركاء في النهوض بمهمة التكليف الرباني للناس جميعاً «عمارة الأرض وإقامة الحياة» ويضيف ابن بيه لذا فإننا نؤمن ان دائرة المشترك مع الآخر تأخذ بالانفتاح والانفراج بعد دائرة العقيدة والاعتقاد.. فهناك مساحة مشتركة وواسعة للتعايش والتعاون والتفاهم والتنافس في رحاب دائرة الشريعة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) وتأسيساً على هذا الفهم الاحمق استباح هذا البعض من المسلمين دماء إخوانهم المسلمين.. وممتلكاتهم واموالهم وغيرها.
شحن خاطئ
المفكر الاسلامي الدكتور محمد الاحمري تناول المسألة من باب اثر العقيدة في الوصول الى اخطاء تحليلية فادحة بقوله:من المؤسف انه بمقدار ما يزيد الشحن العقدي للمحلل او المتلقي، فانك تجد العقل ينزوي جانباً تاركاً للعاطفة التي تعمل تحت غطاء العقيدة، فتجد المحلل العقدي ينهي الموقف بلوم العقائدي المخالف ويحمله جرائم العالم، كالقول بان المشكلات او الهزيمة سببها عبدالله بن سبأ قديماً، او الشيعة حديثاً، او المعتزلة او الشيوعية او الوهابية او الصوفية او الرأسمالية او الصهيونية، ويغفل تماماً أي بنية للمشكلة من الطرف الذي هو فيه.
توريط الآخرين
وينوه الدكتور الاحمري بخطورة بناء مسألة الولاء والبراء على التحليل العقدي كونه تحليل بالرغبة وليس بالمعرفة فهو يحب ان يصل الى كذا، ولا يقوم على المعلومة ولا على الظروف. اما المصلحة فهي رغبة في النهاية عنده. والتعصب للذات والتهجم على الآخرين ونزع انسانيتهم او اهدافهم العليا هي وقود التحليل العقدي ووسيلة اقناع به.