ارتباط الثقافة العربية بظاهرة «النجم» ليست وليدة اليوم فمنذ زمن طويل وأنت تجد شاعراً ينصب نفسه الأوحد والوحيد.. والنموذج يتكرر في: المسرح، السينما، الرواية.. وغيرها من مجالات الابداع: وعندما يتعلق الامر بدور وسائل الإعلام، الصحافة على وجه التحديد، في «صناعة النجم» فإن جدلاً لا ينتهي ينبت في ارجاء الساحة الواسعة فكيف ينظر العاملون في الحقل الثقافي الى اسهامات الصحافة الثقافية خصوصاً في صناعة النجم/ المثقف؟
هل ثمة دور سلبي للصحافة في تكريس ارتباط الثقافة بظاهرة النجم؟ وما حقيقة ما يقال بان المثقفين«الرموز» لدينا هم نتاج لخبرات العلاقة مع وسائل الاعلام فحسب؟ هل ثمة مبالغات في تقديم الصحافة لهذا الكم الكبير من المثقفين بوصفهم رموزاً للثقافة والأدب وبعضهم لا يستحق احياناً هذه المكانة؟
الروائي ابراهيم الناصر الحميدان، يعتقد بان الظاهرة عالمية ولا تقتصر على الثقافة العربية.
والنجم من وجهة نظر الحميدان لم يأت من فراغ، وانما تسلح بزخم ثقافي أهله لان يبرز ويقود حركة تجديد او تياراً كاملاً يتأثر بطروحاته، ما يجعله مهيأ لتقديم صفوف المبدعين.
ويرفض الحميدان مقولة ان النجم يغطي على ما عداه، معتبراً ذلك نوعاً من الاجحاف. فالميدان يتسع لأكثر من نجم بدليل ما كان واقعاً في الأدب المصري الشقيق حيث تزامن عصر طه حسين مع عصر العقاد وفي لبنان اتسعت الثقافة لقطبين معروفين هما جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وهؤلاء جميعاً قمة في الابداع الثقافي. وفي بلادنا ايضاً تزامن في السنوات الماضية اكثر من قمة ادبية اذكر منهم: محمد حسن عواد، وعبدالقدوس الانصاري، واحمد السباعي، واحمد عبدالغفور عطار، ومحمد حسن فقي، الى جانب عبدالله عبدالجبار.
تقدير ناقص
وعندما يتعلق الامر بحجم التقدير الذي يطال المثقف العربي، فإن الحميدان لديه إجابة واضحة لا لبس فيها: «لا، لم ينل ما يستحقه التقدير»، ويوضح

الحميدان: النجومية اليوم للمغنين وليس للمثقف المجهول في مجتمعه
السبع: فرز الغث من السمين معادلة صعبة والبقاء للأصلح والمتميز
الرباعي: المجتمعات المستهلكة تصنع نجوماً مستهلكة والصحافة آلة لتقديمهم

قائلاً: «المثقف العربي ياسيدي مجهول في مجتمعه، والاحترام والتقدير يذهب لمن يكتنز المال وليس العلم والثقافة.. وذهبت النجومية اليوم للمغنين ومحترفي الرياضة، مع احترامي لمواهبهم، ليبقى المثقف في معاناته مع الفقر والإهمال والعزلة».
صناعة النجم وكينونته
«كأنكم تريدون القول: ان المثقف والشاعر والقاص والكاتب والفنان والناقد لا يصنع بل يكون وهذا صحيح» بهذه العبارات يعلق الشاعر حسن السبع عندما سألناه من يصنع النجم المثقف؟ ويضيف السبع: هنالك بون شاسع بين الصناعة والكينونة لكن ماذا تفعل اذا كانت بعض الطرق تؤدي الى «روما» الثقافة و «روما» الكتابة دون تعب؟ ويواصل: «انك لا تستطيع ان تكبح جماح هذا السيل الدافق من النصوص الشعرية والكتابات الادبية والنقدية.. ولهذا: دع الخلق للخالق، واعلم ان البقاء للأصلح، وانه لا يصح، اخيراً، الا الصحيح.. وهذا ما كرسه تاريخ الأدب والفن عبر مراحله المختلفة». ويطالب الشاعر السبع القلقين من هذه المسألة بتأمل تاريخ الأدب واستعراض اسماء الشعراء التي جايلت ابا نواس والمتنبي، مثلاً، ليحددوا كم عدد الاسماء المجايلة لهذين العملاقين ممن رسخت اسماؤهم في ذاكرة تاريخنا الادبي، يقول بعد ذلك باطمئنان كبير: «ستجد ان البقاء دائماً للكتابة الابداعية المتميزة في كل مجالات الثقافة» مع ذلك تبقى مسألة فرز الغث من السمين مسألة شائكة ومعادلة صعبة. ويظل الشاعر السبع يؤكد ان المسألة ليست مقلقة الى هذا الحد ويقول في الختام: «سيبقى في النهاية الضجيج الذي يراهن على ورقة الوعي».
وثمة تأملات اخرى في هذه الظاهرة يحددها الدكتور علي الرباعي بقوله:
لا بد ان نتوقف قليلاً عند مفهوم النجومية، ومعياريتها، والجهة المانحة لها، وحجم التأثير الذي يحققه النجم في عشاق نجوميته، فالنجومية ليست مذمة على كل حال، ولكل مجتمع نجومه في الثقافة والفن والسياسة والرياضة، والنجوم زينة وهداية ورجوم للشياطين، فالمجتمع صانع نجوم والصحافة آلية لتقديم النجم، والمجتمعات الاستهلاكية تصنع نجوماً مستهلكة، فيما تخلق المجتمعات المنتجة نجوماً منتجة، وفي الجانب الثقافي هناك من ينظر الى الثقافة باعتبارها امتيازاً متعالياً فيمارس منهجية قمع المجتمع بأبشع ادواته ويؤصل لمفهوم جلد الذات حد التيئيس من خلال فرض النجم الثاقب، الناقم، وآخرون اعتبروا الثقافة منجزاً هامشياً فأمطرت بتخديرهم سحب الصحائف المنتشرة، وزوايا المثقفين في الصحف ثلاث فزاوية منهوبة، وثانية موهوبة، وثالثة مرهوبة، ولعلنا فتحنا أعيننا على القراءة منذ ربع قرن واكثر ونحن نقرأ لكتاب تكلموا كثيراً لكنهم لم يقولوا شيئاً، فيما نحن ننتظر بعض الكتاب على أحر من جمر، ونتلظى من سعير الترقب حتى تطل علينا كتاباتهم التنويرية التي تثري وتضيف للقارئ معرفة في جانب ما بين حين وحين، وفي ظل مبدأ تكافؤ الفرص ستبرز النجوم الحقيقية والجديرة بالتموضع في زوايا السماء، ومتى طغت الوجاهة والمحسوبية وتبجيل الذوات دون مسوغات فلن نرى اكثر مما رأينا من اسماء وصور تتخم بها الصحف لاعتبارات عدة وتسهب في التنظير وهي ابعد ما تكون عن واقع».
ويتابع د. الرباعي متسائلاً: هل وجدت في كتابات مثقفين سعوديين عبر عامين مضيا تحذيراً للمجتمع من مغبة سوق الأسهم؟ عن نفسي لم أقرأ مقالة واحدة تدعو للتأمل وتنشر مفهوم الترشيد وتوخي الحذر او تعيد للأذهان نموذج سوق المناخ الكويتي! لقد تحول الاغلب منهم الى جمهور يشجع ويطبل ويعد الناس بأحلام وردية وعيش رغيد!!
ليختتم د. الرباعي تأملاته بالقول: ان للمجتمع المؤسس على النظم والوعي دور في صناعة وزف النجوم المؤهلة كما ان للمجتمع الفوضوي دوره في ابراز نجوم مترهلة، وتحت سطوة او سلطة المجتمع تغدو الصحافة أداة من ادوات تزيين وزخرفة الهش والمترهل، ليمارس النجم الموهوم في رحابها التضليل كبديل عن تخصصه في الهداية «وعلامات وبالنجم هم يهتدون».