شاهـدت مقابلة الدكتورة سميـــة اليوسف، مديرة اكاديميـــة الملك فهد في لندن، مع «بي.بي.سي» البريطانية، وردها على تهمة التحريض العنصـري، المـــوجود في بعض المــواد الدراسيــة بالأكاديمية، ضد اليهودية والمسيحية، واكثر ما لفت نظري حضورها البسيط الهادئ والجميل، واجاباتها المتقنة والمدروسة.
فقد أكدت أن التحفظات تناولت عبارات محددة واستخدمتها خارج سياقها، وهو كلام صحيح، وقالت بأن تقييم الكتب يختلف من شخص لآخر حسب الغرض، وانها لن تسحب هذه المطبوعات من الاكاديمية، ثم عادت وصرحت في مؤتمر صحافي، إنها ستلغــي المــــواد غيــر المنسجمــة مع فكرة التســــامح ونبذ العنصـرية، وألمحت إلى وجود منهج جديد سيطرح.
والأمر مفهوم جداً، فأكاديميــة الملك فهد مؤسسة تعليمية في بريطانيـــا، ولا بـــد وان تنسجـم مقـرراتها، مع تعليمات هيئة التفتيش على التعليم البريطانية، المعروفة اختصاراً بـ«اوفستيد» والحكمة تقول اذا كنت في روما افعل كما يفعل الرومان.
زرت الاكاديمية مرتين، الاولى كانت بدعوة لحضور معرض اسلامي افتتحه الامير تركي الفيصل، والثانية كتبت عنها في مقال سابق نشرته «عكاظ»، واعرف من مصادر متفرقة، ان الفصل لم يكن خاصاً بالبريطاني كولن كوك، الذي تم الاستغناء عن خدماته بعد مسيرة عمل استمرت تسعة عشر عاماً، واتهم الاكاديمية في جريدة «ذي تايمز» أنها مــارست العنصرية ضده، لأن الفصل طال غيره، وأتوقع أن الإعلام البريطاني لن يتوقف عند قضية كوك وملابساتها.
الإعــلام الامـريكي والبريطـــاني، اجتهــد فـــي تسـويق صـــورة مشوهة عن السعودية بعد 11سبتمبر، تماماً كما فعل الاعلاميون في امريكا، مع الحكومة البولندية(الشيوعية) في عامي

تسامح الإعلام الأمريكي مع بيع
المواد الكيميائية إرضاءً لرغبة تجارها

1980 و1981 ا عندما شجب اجراءاتها، في حق اتحاد التضامن العمالي البولندي، الذي بدأ نشـاطاً واسعاً ضد الشيوعية في ذلك الوقت، وفي نفس الفترة، تجاهل التعامل التعسفي لحكومة العسكر التركية، مع النقابات العمالية في تركيا، لأن موقف الحكومة التركية المناهض للشيوعية، وافق رؤية الحكومة ورجـال الاعمال الامريكيين، وكانت الابواب الاقتصــــادية، قد فتحت مع الاتراك، والهدف في الحالة البولندية، تسجيل انتصار ضد الحكـومة الموالية للشيـــوعية، وابراز وضع العمال الذين لا تدفع اجورهم منظمات عمالية حرة، بأسلوب يقارب بين الفكر الراسمالي للشركات الامريكية والايديولوجية الحكومية المضادة للشيوعية.
بجانب ان مفهوم الضحايا المهمين وغير المهمين، يأتي غالباً، لتبرير وربما تمرير المصالح الخاصة للنخبة السياسية والاقتصادية وبارونات الاعلام، وليس لتقديم قيمة حقيقية للاشخاص والاشياء.
اضيف بان حملات الدعاية، لا تدخل في منطق المؤامرة، صاحب الشعبية الكاسحة في العالم العربي، لانه يستحيل بأي حـــال، تصــور ان مجموعة كبيرة من الناس، تتفق على نشر الاكاذيب والدعايات المضحكة.
والتفسير الاقرب للممارســـات الاعلامية الطـــارئة وغير المفهومة، قد تحركه الاعتقادات السائدة في المؤسسات الاعلامية، والسياسات التي تقرها قيادات الاعلام، على أساس الأيديولوجيا او المصلحة او الخوف من انتقاد او انتقام داخلي او خارجي، وتبعية الاعلام للسلطة ليست محسوسة دائماً.
ووفق رأي قدم له دانيال هالن(1994) فإن اعتماد الاعلام على الرسميين والنخب كمصادر رئيسية للاخبار والتمويل احكم سيطرتهم عليها. ما لم أقل بأن قواعد المهنية والموضوعية، توظف احياناً للتموية واقناع القارئ والمشاهد، بسلامة المواد الاعلامية وحيادها، وتكفي مقارنة بسيطة للمساحات المتاحة للاصوات السعودية والغربية في التغطيات عن المملكة لاثبات هذا الفرض.
ثم ان المؤسسات المهتمة بالاعلام، على سبيل المثال، اكيرسي إن ميديا او «أي.آي.إم» الامريكية، وافكوم البريطــانية، ومعهد اميركان انتربرايز او «أي إي آي» الامريكي، ليست سوى ادوات لتوجية الاعلام او ازعاجه، وانتاج الخبرات اللازمة لادارة الازمات الاعلامية او تحييدها، بل ان عدم الرغبة في اثارة مواقف محرجة مع النافذين يعتبر سبباً رئيسياً لخفض موازنات التحقيقات الصحافية في العالم الغربي.
مثال آخر لهيمنة مصالح النخبة على الاعلام، اتفاقية التجارة الحرة في امريكا الشمالية او «نافتا» فقد كانت استطلاعات الرأي العام الامريكي تعارضها، والخبراء وكتاب الاعمدة في الاعلام يؤيدونها، والنتيجة انها نفذت في 1 يناير 1994.
مثال ثالث، تعامل الاعلام الامريكي المتسامح مع بيع المواد الكيميائية والاطعمة المعدلة وراثياً، استجابة لرغبات تجار هذه الصناعة، دون وجود ادلة تؤكد سلامتها، حتى انه ابتكر تعبير «جانك ساينس» في كل اشارة تتعرض الى الابحات العلمية التي تبين مخاطرها.
دعاية النخبة، يعززها كذلك حضور سبعمائة صحافي في انتخابات السلفادور عام 1982، ثم التشكيك في نزاهتها، والعملية تمت بطريقة مشابهة الى حدٍ ما، مع حماس في الانتخابات الفلسطينية، والنخب سياسية كانت أم اقتصادية ترى ان الجماهير قصيرة النظر, أو كما قال هارولد لاسويل (1993) ليست لديها القدرة على اتخاذ قرارات حكيمة في قضاياها، ورأى بنجامين بايج في كتابه: من يدرس الرأي (1996) بأن المشكلة الاكثر خطورة، اتفاق الاعلام والسياسة على موقف واحد، وعرضه باسم المجتمع المغيب.
binsaudb@ yahoo.com