تحدثت عن إنتاج لقاح لسرطان الرحم من قبل شركتين من شركات صناعة الدواء بعد ترخيصه واعتماده من قبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية. وأثبتت الدراسات المستفيضة أن لهذا اللقاح فاعلية عالية. وأوصت الجمعية الأمريكية للسرطان بتطعيم جميع الفتيات بين سن 11-12 سنة كإجراء روتيني أو حتى سن 18 سنة لمن فاتها التطعيم. ومن المأمول أن يلعب هذا اللقاح دوراً هاماً في خفض نسبة الإصابة بسرطان الرحم على مستوى العالم حيث يشكل هذا السرطان ثاني أهم سبب للوفاة الناتجة عن الأمراض السرطانية في النساء، ويزداد انتشار سرطان الرحم بصفة خاصة في كثير من الدول النامية وخاصة الدول التي تشيع فيها الممارسات الجنسية المتحررة ويغيب الوعي الصحي والكشف المبكر عن المرض. وكما تمت الإشارة إليه، فإن سرطان الرحم يحدث نتيجة العدوي بأنواع معينة من فيروس الورم الحُليمي البشري Human Papilloma Virus تنتقل بواسطة الاتصال الجنسي.
أكمل الحديث اليوم عن هذا اللقاح الجديد وعن الوسائل الأخرى التي لا تقل أهمية عن اللقاح في الوقاية من سرطان الرحم بعد إعطاء نبذة تاريخية بسيطة عن الفيروسات المسببة لهذا المرض. اكتشاف مجموعة فيروسات الورم الحليمي حدث منذ عام 1907م حين أصبح معروفاً أن هذه الفيروسات تتسبب في أنواع كثيرة من الثآليل الجلدية الحميدة التي تقع في مختلف مناطق الجسم مثل الجلد والأنسجة المخاطية في الفم والجهاز التنفسي والأعضاء التناسلية. وفي عام 1933م اكتشف العالم الأمريكي ريتشارد شوب وقوع أورام سرطانية خبيثة بجلد الأرانب تنتقل بالعدوى بين حيوان وآخر بسبب فيروس من هذه المجموعة أيضاً. وكان ذلك أول مثال لفيروس مسبب لورم سرطاني خبيث في الثدييات. ومن الغريب أن فيروسات الورم الحليمي البشرية لم تحظ

لقاح سرطان الرحم لا يغني عن
السلوك القويم في العلاقات الجنسية

بالاهتمام الكافي لفترة طويلة بسبب عدم تقدير حقيقة خطرها، بالإضافة إلى تعذر زراعتها مخبرياً، وكان الاهتمام منصباً على محاولة اكتشاف فيروسات أخرى كمسببات لسرطان الثدي أو الدم في الإنسان، مما لم يتحقق فعلاً. على عكس ذلك، تم الربط الواسع والوثيق بين فيروسات الورم الحليمي وبين حدوث سرطان الرحم في الإنسان في الثمانينات والتسعينات الميلادية. وكان لتطور الفحوصات الجزيئية دور كبير في دراسة هذه الفيروسات وتشخيصها وتحديد أنواعها التي تزيد على 77 نوعاً، والتعرف على وجود أنواع من بينها ضئيلة الخطورة بالنسبة لقدرتها على إحداث التحورات السرطانية في الخلية وأخرى عالية الخطورة، حيث تتمتع هذه الأنواع الأخيرة بالقدرة على إقحام مجينها وسط مجين الخلية وإحداث أعطال حساسة تؤدي إلى هذه التحورات.
يُعدّ إنتاج اللقاح الجديد لسرطان الرحم فتحاً علمياً كبيراً لسببين، أولهما كما ذكرت، أنه يتعذر زراعة فيروسات الدم الحليمي معملياً مما يعرقل جهود إنتاج لقاح لها، وقد تم التغلب على هذه العقبة بواسطة طرق الهندسة الوراثية التي مكّنت من صناعة البروتينات الفيروسية الداخلة في تركيب اللقاح في خلايا مكروبات أخرى. السبب الآخر هو أن تعدد الفيروسات الحليمية كان مؤشراً على صعوبة انتاج لقاح فعال. لحسن الحظ أظهرت الدراسات الوبائية الواسعة في عدة دول أن أنواعاً قليلة (خاصة النوعين 16 و18) من بين أنواع فيروسات الورم الحليمي الكثيرة، تتحمل أكبر المسؤولية في إحداث حالات السرطان، وقد تم التركيز أساساً على هذين النوعين في إنتاج اللقاح مع إضافة نوعين آخرين في أحد اللقاحين المنتجين. اللقاح الجديد يشيع الكثير من الأمل في تحقيق تقدم ملموس في الحرب على سرطان الرحم ولكنه ليس السلاح الوحيد في المعركة بل سبقه سلاح آخر لا يقل أهمية عنه، وهو الكشف المبكر عن التغيرات السرطانية المبكرة في خلايا عنق الرحم بواسطة الفحص المجهري لهذه الخلايا بعد صبغها بالطريقة المعروفة باسم فحص أو لطخة بابانيكولاي نسبة إلى العالم الذي طورها أو، اختصاراً، Pap test. هذا الفحص يساعد على التعرف على التغيرات الخلوية التي تسبق حدوث السرطان ومن ثم إزالتها قبل تطور المرض. وقد شهدت الوفيات الناتجة عن سرطان الرحم في الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، انخفاضاً يزيد على 70% خلال الخمسين سنة الماضية، أي قبل توفر اللقاح الذي نتحدث عنه. ويُعزى هذا الانخفاض إلى حد كبير إلى الاستعمال الواسع لفحص بابانيكولاي. ويتطلب نجاح هذه الطريقة إجراء الفحص سنوياً على كل النساء المعرضات للإصابة، وهو مجهود يصعب تحقيقه في كثير من الدول وخاصة الدول الفقيرة. ومن الموصى به الآن الاستمرار في إجراء الفحص المخبري لسرطان الرحم، سواء لمن يتلقين اللقاح أو من لا يتلقينه. وفي السنوات الأخيرة تم تطوير اختبارات معملية جديدة تعتمد على التقنيات الجزيئية للكشف المباشر عن وجود الحامض النووي (د.ن.أ) لفيروسات الورم الحليمي في مسحات عنق الرحم كوسيلة مكملة لفحص Pap لتحسين قدرة هذا الفحص في اكتشاف الحالات الأكثر عرضة للإصابات الخطرة ولإطالة الفترة بين الفحص إلى ثلاث سنوات بدلاً من سنة في كثير من الحالات..
أخيراً، وليس آخراً، يجب التأكيد أكثر فأكثر على أن أفضل الطرق للوقاية الأكيدة من سرطان الرحم وغيره من القائمة الطويلة المعروفة من الأمراض التي تنتقل بواسطة الجنس والتي أهمها في الوقت الحاضر مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) هي الالتزام بتعاليم الشرع الحنيف بالابتعاد عن الفاحشة والاقتصار على العلاقات الزوجية المخلصة من قبل الرجال والنساء في كافة فئات المجتمع.