تعرفهم من سيماهم وملامحهم المنطفئة ونظراتهم المتسمة بالشرود والضبابية.. نظرات ليس لها معنى تنهش جسد الاحساس وتلون القلب بأناشيد البكاء والألم.. هذه الفسيفساء النازفة ترجمة حقيقية لحال الأطفال الذين ينساهم أهلهم في لحظات من ميوعة العقل الانساني في مجمع تجاري أو زاوية معتمة بأحد الأسواق فيتم العثور عليهم وهم في قمة الاعياء ويتم ايداعهم في دور الايواء وثمة صورة أخرى لهؤلاء «المنسيين» تتمثل الأطفال المصابين بتشوهات خلقية ويتخلى عنهم ذووهم ويتركونهم على الأسرة البيضاء في المستشفيات غير عابئين بهم. ففي دور الحضانة وأقسام الأطفال ببعض المستشفيات تجد ثمة صغارا منسيين من أسرهم ولكن رغم ذلك فان هناك مشاعر انسانية فياضة تحتضنهم وتحاول تعويضهم ومنحهم الدفء والحنان وصياغة حياتهم بأبجديات تنسيهم واقعهم وتعيد ترتيب وجدانهم وترسم لوحات الأمان في حنايا نفوسهم.
ولأن مشهد الأطفال المنسيين يرسم لوحة قاتمة في رحم البعد الانساني فإن السؤال «القضية» الذي ينطلق باحثا عن اجابة شافية تتمثل في الأسباب التي تجعل البعض ينسى «لحمه ودمه» للمجهول ويعبر هكذا ببساطة متجاوزا صراخ الصغير وغير عابئ بنظراته البريئة التي ينبثق منها العتاب وثمة سؤال آخر أكثر الحاحا يتمثل في كيفية احتواء مثل هذه الحالات واضاءة الوعي الانساني لاستئصالها.
ونظرا لان هناك قصصا كثيرة وحكايات دامعة لأطفــال مشوهين خـلـقـيـا وآخرين تم ايداعهم في دور الحضانة بعد ان نسيهم أهـلـهـم وغــابوا في زحام السنين فان عددا من المســؤولين وأهل الرأي يتحدثــون عن حيثيات هذه القضية ويضعـــون النقاط فوق الحروف عن نسـيـان هؤلاء لفلذاتهم دون احساس منهم بخطورة مثل هذا السلوك.
صراخ طفولي
في أمسية صيفية خانقة عثر مواطن على طفل في الخامسة من عمره وهو يصرخ بحرقة خلف سوق تجاري شمالي جدة وفي حينه حاول المواطن التهدئة من روع الصغير وسؤاله عن أسرته ولكن كانت اجابته مبتورة ولا يعرف سوى اسمه «احمد» فقام بابلاغ احدى الدوريات الأمنية وتم اتخاذ الاجراءات المتعارف عليها في مثل هذه الحالات حيث تم الكشف عليه في المستشفى للتأكد من سلامته وبعدها تم ايداعه في دار الايواء ليبدأ حياة جديدة مع زملاء له بعد ان تخلت عنه أسرته وتركته على قارعة الطريق.
تبديد الأحزان
ولا تختلف قصة سمر عن الحكاية السابقة سوى في تفاصيلها حيث عثر عليها وهي تنتحب بعد ان جفت دموعها ولكنها ظلت «تهذي» باسم أمها لعدة أيام رغم ان الأيدي الحانية في دار الايواء احتضنتها وحاولت تبديد أحزانها.
صغار مشوهون
وعلى أسرة اقسام الأطفال في بعض المستشفيات تجد ثمة أطفالا مشوهين خلقيا أو مصابين بإحدى متلازمات مرض ما وأمثال هؤلاء يحدقون في الفراغ بعد ان نسيهم أهلهم بحجة عدم مقدرتهم على رعايتهم طبيا والتعامل مع حالاتهم ومن هذه الفئة عبدالرحمن وهو طفل ناحل عمره (10) سنوات مصاب بتشوه خلقي في رأسه مع شفة ارنبية وقبل أكثر من خمس سنوات احضرته اسرته التي تقطن في قرية ساحلية الى المستشفى وتركته على السرير الابيض وبعدها

احسان طيب:
ضرورة تفعيل نظام الحماية الاجتماعية
اخصائية اجتماعية: بعض الأسر رفضت استلام أطفالها
نفسيون: الأطفال المنسيون ضحية للتفكك الأسري

تكيف مع حالته وأصبح المرضى من أمثاله هم بمثابة أهله وأصدقائه.
تشوهات خلقية
وبالنسبة لحالة حنان (7) سنوات فهي تستمطر الدمع من العينين فقد ولدت بعدة تشوهات خلقية وثقل في اللسان وكانت والدتها قد ظلت مرافقة لها في المستشفى لعدة أيام ولكن فجأة تركتها واختفت في زحام الحياة مما جعل الطفلة تواصل البكاء وهي تسأل في براءة عن موعد عودة أمها دون أن تجد اجابة شافية تداوي جراحها.
وبين هذا وذاك كان ثمة تقرير صادر من مستشفى الأطفال بمجمع الرياض قد أشار الى ان المستشفى يستقبل بين 5-7 حالات اسبوعيا تصل نسبة حديثي الولادة منهم حوالى 95%.
ونظرا لان اهمال الأطفال من قبل بعض الأسر وتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم في خضم الحياة قد يعود لأسباب نفسية بحـتـة أو لاختلالات في شخصية الانسان الذي يقوم بمثل هذا السلوك فان الرأي النفسي له ما يبرره في هذا السياق.
فقد أوضحت الدكـتـورة فــاطـمـة كـعـكـي الاخصائية في الطب النفسي بمستشفى الملك فهد بجدة ان هناك العديد من العوامل تجعل الأطفال ضحية للاهمال وتركهم يصارعون الحياة وحدهم ومن هذه الأسباب فارق السن بين الابوين او قد يكون احدهما متوفيا والبديل مستبد كزوجة الأب في بعض الأحيان كما ان الضغوط النفسية عامل كبير في الاتيان بــهذا السلوك كعدم اعتراف الزوج بزوجته او ان الأطفال قد يكونوا مصابين بتخلف عقلي وتتخلى عنهم أسرهم بحجة عدم مقدرتهم على تحمل مسؤولية رعايتهم وعلاجهم كما ان أحد الزوجين ان كان مريضا فان هذا السلوك يلقي ظلاله على حياة الأطفال، وقبل هذا كله لا بد من مخافة الأطفال وان يعرف كل واحد مسؤوليته تجاه أسرته تجنبا لافرازات أهمال الأطفال او نسيانهم على طرقات الحياة.
حوادث فردية
وفي ذات السياق قال الدكتور سعد الخطيب اخصائي الطب النفسي لدى الأطفال ان حوداث اهمال الصغار وتركهم يصارعون الحياة وحدهم لا تصل الى حد الظاهرة بل انما هي حوادث فردية لان مجتمعنا مجتمع اسلامي له ضوابط ومثل هذه الأمور قد تكون ظاهرة في المجتمعات الغربية وهذ الفئة يطلق عليها «اطفال الشوارع» وقد يتم استغلالهم في أعمال تهدم المجتمعات التي توجد بها مثل هذه الدعارة والاجرام بمختلف أنواعه.
واضاف ان العوامل التي تدفع الأسر للتخلي عن أطفالها يأتي في مقدمتها الفقر فقد تكون الأسرة غير قادرة على تحمل مسؤوليات رعاية ابنائها وهناك عامل آخر وهو المحور النفسي فقد يكون لدى الأسرة نوع من التفكك وعلاقات أفرادها غير جيدة مع بعضهم البعض.
واستطرد ان الأسرة اذا فقدت الالتزام الديني فإنها تصاب بالتفكك مما يجعلها غير قادرة على رعاية أطفالها وليس بالضرورة ان يكون لدى هؤلاء الأطفال اضطراب سلوكي ولكن قسوة الحياة قد تولد هذا السلوك في دواخله.
واضاف ان مثل هـذه الأسر تكــون في حاجة الى رعاية نفـسـيـة واجـتـمـاعـيـة حتى لا يقع الأطـفـال ضحــايــا لسلــوكيات الآباء أو العوامل التي تحيط بحياتهم.
انعكاسات سلبية
ومن جانبه أوضح الدكتور شريف عزام استشاري الطب النفسي ان تخلي أحد الوالدين عن طفل من أطفالهم ليس بالشيء الهين أو الطبيعي وهذا الأمر له انعكاسات نفسية سلبية على الابناء وترك الأطفــال او إهمــالهم له عدة أسباب ويخـتلف الســبب من أسرة الى أخرى وقد تهرب الأم بعد الولادة مباشــرة نظــرا لان حمـلـهـا لم يكــن شرعـيا أو ان الأحوال المــادية قد تجعــل أحد الآباء يتخلى عن ابنه ومـثـل هذا الســبب لا يوجــد في المجـتـمـع السعودي.
واستطـرد ان هناك صفات أساسية يجب تـوفــرها في الزوجــين حتى يستطيعــان ان يمثلا وحدة صغيرة للأســرة ومن أهم هذه الصفات القدرة على العطـاء وتحمل المسؤولية وعدم الشعور بالضعف او بالنقص وتابع ان مسألة ترك الطـفـل لوحده بعيدا عن الاهل هي من أكثر الفــواجع ألما لدى الصغار لان الطفل في مثل هذه الحــالة يجد نفــسه وحيدا في عالم جديد بالنسبة له لا يوجد فيه من اعتاد على التعامل معهم وتابع ان الأطفال الذين يتعرضون الى مثل هذه المواقف قد يحتاجون الى علاج نفسي وارشادي وذلك لمساعدتهم في تخطي ما حدث لهم ولأن أقسام الأطفال في المستشفيات هي الجهة المعنية باستقبال الأطفال الذين يتركهم أهلهم خاصة وان كانوا لا يزالون في طور الحضانة فقد اوضحت فادية عناني الاخصائية الاجتماعية بمستشفى الولادة والأطفال في جدة ان ترك الأب أو الأم لأطفالهم والتخلي عنهم له أسباب كثيرة ويعتبر الهروب من المسؤولية واحدا من هذه الأسباب حيث ان الأسرة قد تشعر بعبء الأطفال مما يدفعها للقيام بمثل هذا السلوك.
مشيرة الى ان المستشفى يتعامل مع الحالات باستــلامهم عن طريق مراكز الشرطة ومن ثم يكون دور المسـتـشـفى «علاجيا» بحيث تجرى الفحـوصات الطبية المبدئية للـتـأكــد من حالته الصحـيـة وانه لا يعاني من أمراض معدية مثل الأمــراض التناسلية او التهاب الكبد الوبائي.
واضافت ان حالة الطفل اذا كانت سليمة فانه يتم عمل تقرير ومذكرة ومحضر وتتم مخاطبة الشؤون الاجتماعية من أجل ادخاله دار الايواء.
نظام حماية الأسرة
ولان وزارة الشؤون الاجـتـمـاعـية هي أحد الأطــراف المسؤولة عن الأطفال الذين تتخــلى عنهم أســـرهم وذلك بإيوائهم في دور الايواء فقد طالب احسان طـيـب مديــر الشؤون الاجتمــاعية بمنطقة مكة المكرمة سابقا بضرورة أهمية اخراج نظام حماية الأسرة.
واكدت ان هذا النظــام سيكــون له دور فعال في عملية التصدي لأي عنف أسري وكــفـالة واحــتـرام وحماية المرأة والطـفـل لأن معــظم العنف الذي يحدث عادة ما يتـعـرض له النساء والأطـفـال وانه كـثــيـرا ما نــادى بأهمية ان يرى هذين النظــامين النور لذلك يشعـر بالحــزن وهــو يوشك ان يتقــاعد دون ان يرى نظام الأسرة النور لانه من خلال مشواره الطويل في العمل الخدمي الانساني وجد ان من أهم أسباب المشــاكـل الأســرة هو عدم وجود هذا الـنـظـام كما ان عدم العــمل بنظام الحماية الاجتماعية ومن واقــع التجارب الشخصية أرى اننا في حاجة ماسة الى العمل بهذا النظام.
واستطرد ان ترك الأطفال في أماكن عــامة يواجهون مصيرهم بأنفسهم جريمة تستحق العقاب مهما كانت ظروف الأسرة.