أثار الحكم الصادر من المحكمة العامة بجدة على المفحط (أبو كاب) بالقتل تعزيراً لتسببه في قتل ثلاثة شباب واصابة اثنين وجاء صدور الحكم بعد 12 جلسة من المداولات القضائية امتدت لسبعة اشهر رأى القضاة الثلاثة الذين تولوا الحكم في القضية بأن المتهم قام بانتهاك الحرمات وتخويف الآمنين وإزهاق الأرواح وإتلاف الممتلكات. ورأت المحكمة ان هذا الفعل من جنس جريمة التخريب بالاضافة الى افساد الأحداث والتغرير بهم ..
لأن هذا النوع من الحكم ليس له سابقة في القضاء السعودي كان الحكم مستغرباً وأثار عدداً من ردات الفعل على كافة المستويات ما بين مؤيد ومستغرب، وأعاد الى السطح المناداة بتقنين الأحكام الشرعية وضبط العقوبات بضوابط قانونية.
وحيث أن الحكم صدر تعزيراً والتعزير أمر شرعي خاضع للاجتهاد كما صرح بذلك عدد من المتخصصين في خضم ردة الفعل ازاء هذا الحكم احببنا ان نضع هذا الموضوع على طاولة النقاش والمداولة لكي تتضح الصورة ويجاب على التساؤلات.
كان لنا اتصال برئيس محكمة الدلم الشيخ سعد الحقباني فأبدى تحفظه وأفاد بأن الحديث عن الحكم الشرعي حين صدوره أمر غير صحيح وان مراجعة القاضي على صفحات الجرائد وفي وسائل الاعلام يقدح في احترام القضاء كمبدأ عالمي فكيف بالحكم الصادر من منطلق الشريعة الاسلامية.
واضاف بأنه لا يحق لأحد ان يعترض على الحكم الصادر عن القاضي ما لم يكتسب الصفة القطعية بتمييزه والتصديق عليه. ورأى الشيخ الحقباني بأن التشديد على المفحطين هو الطريق الصحيح لأن الوسائل الأخرى لم تعد تنفع بل جعلتهم يتمادون في تجاوزاتهم ولم تخفف من خطرهم.
وفي

آل ابراهيم: أطالب بتشديد العقوبات على المفحطين وأمتنع عن الاعتراض
العطية: التعزير مسألة اجتهادية ومطالبنا للتقنين قديمة
بديوي: عدم تقنين الأحكام يمنع وضوح الرؤية والتعزير عقوبة رادعة
الحقباني: ما لم يتخذ الحكم صفة القطعية يعد الاعتراض انتهاكاً لحرمة القضاء

تصريح لرئيس اللجنة الوطنية للمحامين الاستاذ المحامي جاسم بن محمد العطية اوضح بأن الاحكام تنقسم الى ثلاثة اقسام إما حدود أو قصاص او تعازير. فالحدود إما قتل أو رجم، والقصاص كما جاء في الشريعة الاسلامية، والخارج عن هذه المفاهيم يسمى (عقوبات تعزيرية) يكون للقاضي فيها تحديد مقدارها وهي في محصلة الأمر عبارة عن اجتهادات، وكما يقال: «كل قضية لها لبوسها» فكل قضية لها ظروفها المعينة إما مخففة او مشددة والتعزير عند القاضي هو ان ينظر في ظروف القضية المخففة والمشددة ويحدد على ضوئها العقوبة وقد تكون احياناً بالتوبيخ وأخرى بجلد واحياناً تصل الى القتل.
فيما أكد الدكتور طارق آل ابراهيم عضو نقابة المحامين الدولية قائلاً: المعروف ان هذه العقوبات هي عقوبات تعزيرية يحددها ولي الأمر لتحقيق العدالة والأمن في المجتمع، وتغلظ العقوبة كلما زادت الجريمة لأن من أهداف العقوبات تحقيق الردع العام، وقد تصل عقوبة التعزير الى القتل اذا كانت الجريمة كبرى، علماً أن لولي الامر ان يعدل العقوبة إذا رأى المصلحة في ذلك فالتعزير يقع في مرتبة أقل من الحدود فرضها المولى جل شأنه أو القصاص الذي لا يملك التنازل عنه إلا أولياء الدم.
وقد أبدى الدكتور آل ابراهيم تحفظه على التعليق على قضية أبو كاب موضحاً السبب: «لأننا لا نعرف مجريات القضية ولا نستطيع أن ندين أو نبرئ أحداً فهذا الأمر منوط بالقضاة وحدهم وتقدير أي معلق على هذه الواقعة بالسلب او الايجاب مهما حاول لن يكون دقيقاً فهذه الأمور لا ينتقدها الا من هم في علمهم ويكونون على اطلاع بمجريات القضية».
ويتفق الدكتور آل ابراهيم مع الشيخ الحقباني في الدعوة الى التشديد على المفحطين فهم على حد تعبيره «مثل من يطلق النار عشوائياً فالسيارة أداة قاتلة مثل السلاح ولذلك -يضيف قائلاً- فإننا بشكل عام نطالب بتشديد العقوبات على المفحطين وان يشمل ذلك عقوبات تبعية ايضاً مثل المنع من قيادة المركبات بشتى أنواعها لمدد مختلفة».
وحول الاختلاف الوارد في الاجتهادات التعزيرية يجيب الاستاذ العطية: (من المفترض ان يكون هناك تقنين بحيث يصبح حداً أعلى وحداً أدنى في العقوبة وهذا الشيء يريح القضاة ويصبح برنامج ومواد منصوص عليها ومحددة لا يمكن تجاوزها».
وفيما يتعلق بالصعوبة التي يواجهها المحامون في إفهام بعض العقوبات التعزيرية أكد ان الدور الذي يقوم به القضاة دور إيجابي وجهود كبيرة وسديدة ولكن ما دام مجال تقرير العقوبة مفتوحا دون تقنين وكل قاض ينظر في ظروف القضية حسب ما يراه فقد يدخل التأثير الشخصي في بعض الأحكام. ولكن يبقى التمييز مانحاً فرصة للمحكوم عليه للحصول على تقديم أدلة تدعم موقفه مما ينتج عنها تخفيض للحكم.
وذكر العطية ان هناك مطالب قديمة حول تقنين الاحكام والرجوع اليها عند الحكم.
وعن الاهداف من عقوبات التعزير يؤكد الباحث القانوني الاستاذ أمين طاهر بديوي «إن الهدف من التعزير هو التأديب والردع إلا أن هناك اختلافاً واضحاً بين القضاة في فهم بعض الاحكام مما يؤدي الى تضارب واضح في تنفيذ بعض الاحكام واعتمادها كالاجتهاد في المدة المقررة لبعض الاحكام مما يسبب التشعب الكبير والفهم غير الواضح خاصة لعدم وجود مواد منصوص عليها في اجراء الاحكام التعزيرية.