أفياء
حول الجنون
الجنون، آفة من الآفات التي تعتري العقل فتجعله يرى الأشياء في صورة مختلفة عن تلك التي يراها عليها الآخرون. ولأن الجنون آفة غير مرئية وليس لها أعراض ظاهرة سوى ما يطرأ على المجنون من تغيّر في تفاعله مع المواقف الحياتية، فإن أمره حيّر الكثيرين وصار لا يشغل اهتمام أطباء الصحة العقلية وحدهم، بل أيضاً صار يشغل كثيرين غيرهم كالمفكرين والفلاسفة والأدباء وعلماء النفس، وكل منهم يرجو أن يجد تفسيراً للجنون وأن يعرف تعليلاً لما يطرأ على عقل الإنسان من تغيّر.
في الأساطير اليونانية القديمة فسّر الجنون بأنه أداة تتقاذفها يد آلهتين إحداهما (ديونوسوس) التي كانت تعمد إلى العبث بعقول الناس، والأخرى (ليسيوس) التي كانت تعمل على مسح ما تفعله (ديونوسوس). وعند العرب فسّر الجنون بأنه يكون أحياناً أداة بيد الجن الذين يعملون على عطب العقول، ويكون أحياناً أخرى أداة بيد العشق الذي كثيراً ما ذهب بلبّ صاحبه فأورثه الذهول. أما بعض الفلاسفة فإنهم يجعلون الجنون نوعاً من الأحلام التي يراها النائم، فالأحلام حسب تفسيرهم ما هي إلا جنون مؤقت نشفى منه بمجرد الاستيقاظ، الحلم سلسلة من التفكير غير المنتظم وغير المنطقي وذلك نفسه ما يحدث للمجنون.
ولأن الجنون يجعل صاحبه يتحدث دون تماسك فتتداعى الأفكار بطريقة غير مُتوقعة، فإن ذلك أتاح لبعض الكتاب إضفاء صفة الجنون على بعض أبطالهم كي يكشفوا على ألسنتهم ما يدور في أذهانهم هم من أفكار لا يستطيعون التصريح بها منسوبة إليهم، فيُطلقونها منسوبة إلى المجانين، كما فعل شكسبير وديستويفسكي وانطون تشيكوف ويوسف ادريس ونجيب محفوظ وغازي القصيبي وغيرهم، ممن وظفوا المجانين في كتاباتهم لتجري على ألسنتهم الأفكار المحظورة، ولعلهم في هذا كانوا مُمتثلين لما يُذكر عن أندريه جيد الذي قال: «إن أجمل الأفكار هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل».
وفي بعض كتب الأدب العربية القديمة خصصت أبواب كاملة لذكر أخبار المجانين وهي في أغلبها تتضمن شيئاً من المفارقات التي تعجب الناس كأن تجمع بين الحكمة والطيش أو القوة والعجز، فكان الناس يُؤخذون بها لما فيها من ظرف حتى شاع بينهم ذلك القول السائر: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين».
فاكس 4555382
أضف تعليقك