كان اليهود يعيشون بسلام وأمن في عدد من الدول الإسلامية وينعمون بظروف حياتية جيدة لم تكن متوافرة لأبناء جلدتهم الأوروبيين، قبل أن يبدأ المشروع الصهيوني عمله لخلق دولة يهودية بحتة في فلسطين، في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر.
قامت الحضارة الإسلامية على أكتاف المسلمين والنصارى واليهود والصابئة والعلماء والفلاسفة من جميع المذاهب والديانات، الذين وجدوا في بغداد وقرطبة وصقلية. وكثير من الحواضر الأخرى، فرصاً للتفكير بحرية، ولترجمة الكتب، ولإنشاء قاعدة معرفية أصبحت، لاحقاً، القاعدة التي أقامت عليها أوروبا مشروعها التنويري الخاص.
وفي الحقيقة هجر اليهود، في مناسبات عدة، الدول الأوروبية، التي كانوا يتعرضون فيها للاضطهاد، بحثاً عن ملجأ لهم في بلدان إسلامية.
وهذا العيش المشترك الهادئ والسلس، الذي دام قروناً من الزمن، بين المسلمين واليهود، كان يمكن أن يستمر، لكنه تعرّض للاهتزاز، عندما قررت القوى الأوروبية، أن تحل مشكلتها اليهودية الخاصة، من خلال تجميع اليهود في فلسطين، كانت أوروبا الغربية تخشى تدفق اليهود من روسيا وأوروبا الشرقية، بالإضافة إلى أن قادة المسيحيين الصهاينة في

المسلمون واليهود غير الصهاينة
يستطيعون إقامة سلام عادل

لندن، كانوا يزعمون أن تجميع اليهود في فلسطين يُمهّد السبيل أمام عودة المسيح.
وتؤكد الحقائق التاريخية أن معظم اليهود كانوا، في تلك الفترة يُعارضون فكرة «الهجرة إلى أرض الميعاد» وما من أمر كان ليقنع يهود أوروبا بمغادرة منازلهم، لولا المحارق اليهودية- التي لا يجدر بأحد إنكارها- ولما كانت إسرائيل، حلم الصهيونية، قد رأت النور.
ومنذ ذلك الحين أُعيدت كتابة التاريخ، وبدأت أعمال تحريف وتشويه الحقائق. وجرت عمليات غسل الدماغ للشبان اليهود، من أجل جعلهم يتوهمون بأن إسرائيل هي «الأوكسجين» الذي سوف يختنقون بدونه، وليس مستغرباً أن يسافر العديد من الشبان والشابات اليهود من بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، إلى فلسطين لتأدية الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي الذي تنحصر مهماته الأساسية في قمع وقتل الفلسطينيين. إن مشروع «الأصوات اليهودية المستقلة» هو أمر جيد للغاية. ومن المؤمّل أن يُمهّد السبيل لتنوير اليهود بشأن حقيقة ما جرى لهم، وبشأن التداعيات والنتائج لما يفعله بعضهم بضحاياهم من الفلسطينيين.
وهذا المشروع يُشكّل قفزة كبيرة باتجاه إعادة ترميم العلاقات الإسلامية- اليهودية التاريخية، غير أن مساهمته الأساسية ستكون في دحض الخرافة بأن اليهود ودولة إسرائيل هما شيء واحد. ومن المؤكد أن ما من خطر أشد على الشعب اليهودي من الربط بين مصيرهم وبين مشروع استعماري، مستقبله موضع تشكيك شديد.
واليهود يستطيعون، من جديد، شبك أياديهم بأيادي العرب والمسلمين لبناء مستقبل أفضل للجميع، شرط أن ينأوا بأنفسهم عن أعمال الظلم والقهر التي مارستها الصهيونية ضد الفلسطينيين.
إن هذا المشروع يمنحنا الأمل. وهو يعد بأن المسلمين واليهود يستطيعون جمع قواهم وجهودهم في خدمة سلام فعلي، مبني على العدالة، في يوم قد لا يكون بعيداً.
إن العديد من اليهود في بلدنا بريطانيا، وحول العالم، يشعرون بالامتعاض والإهانة مما فعلته وتفعله إسرائيل بالفلسطينيين، والعديد منهم يُعارضون الصهيونية، لكن قلة منهم تمكنت من الإعراب عن آرائهم على غرار ما فعل مشروع «الأصوات اليهودية المستقلة»، وهذه المجموعة التي تضم عدداً من الشخصيات اليهودية المرموقة في المجتمع البريطاني، قد اختارت العمل في مجال من شأنه أن يصوّب التوجّه العام، ويهدي إلى سواء السبيل.
* أستاذ جامعي بريطاني
ترجمة: جوزيف حرب