تتهم الصحافة دائماً بانها مهارة، وليست مهنة تحتاج الى تخصص اومؤهلات، بمعنى انها اقرب الى الشعر وكرة القدم، من المحامـاة والطب، وهذا الافتراض صحيح، عربياً، الى حد ما، خصوصاً في الوقت الحالي، على اعتبار ان نجوم الصحافة، صـاروا ينافســـون في شعبيتهم وحضورهم وتعليمهم المتواضع، اهل النبط والمستديرة، بل وقد يدخلون في منافسة مع بعض السياسيين العرب احياناً، بالمناسبة الكلام ليس من عندي، فقد قال بريان ماكنير في كتابه: الصحافة والاخبار في المملكة المتحدة (1994) ان مذيعي التلفزيون وكتاب الاعمدة البارزين حول العالم، وصلوا الى شهرة نجوم السينما، ونفوذ رجال السياسة، ولاحظ بأن انشطة الصحافيين واصداراتهم وبرامجهم، تنقل على انها اخبار مهمة، وان الصحف الخمس الرئيسية في بريطانيا، تخصص مساحات اسبوعية للإعلام، يعامل فيها الصحافيون كالمشاهير ولو كانوا من مطبوعات منافسة.
فكرة تناول الصحافيين، كشخصيات سياسية واجتماعية مؤثرة، حضرت في كلمات هوارد ستريك ( 1957) المدير المؤسس لبرنامج التدريب الوطني في المملكة المتحدة، وستريك، عمـل في الجمعية الوطنية البريطانية لتدريب الصحافييـــن او «إن سي تي جاي» حيث رأى بأن سلطة الصحافيين، لا تقـــل عن السلطات الاخرى في الدولة، وان اكتمال العملية الديموقراطية متوقف عليهم.
اما المختص في الاتصال، انتوني سميث، فقال في كتابه: سياسة الإعلام (1978) بأن كثيراً من الناس في بريطانيا، مقتنعون تماماً، أن الصحافة تعمل وكأنها حكومة بديلة او محطة مهمة للعبور الى السياسة.
ما قاله سميث، لها تطبيق عملي في الواقع، فالصحافيون البريطانيون في العادة، ينتقلون الى الحكومة، او على الاقل، الى قصر وستمنستر، داونينغ ستريت او المراكز الرئيسية

30 ألف صحفي وصحفية متفرغون
للعمل الصحفي في بريطانيا

للحزب الحاكم، ويختلفون عن العرب، في ان أربعة من بين كل خمسة منهم يحمـــلون مؤهلاً جامعياً.
وطبقاً لسجلات اتحاد الصحافيين البريطانيين، فإن ثلاثين عضواً في مجلس العموم البريطــاني عام 1997، كانت لديهم بطاقة عضوية في الاتحاد.
والصحافة شكلت جسراً للسياسة البريطانية في القرن التاسع عشر، واعيد ترميم الجسر في القرن العشريـــن، والدليـــل أن شهـرة المراسل التلفــزيوني، اكسبت الصحافي البريطاني مارتن بيل مقعداً في البرلمان، وجعلت المحرر السياسي في صحافة التابلويد، اليستر كامبل، سكرتيراً صحافياً، لرئيس الوزراء توني بلير.
وفي زمـــن الانترنت والفضاء الذي يبيض في كل يوم محطة، أصبح بإمكان اي صحافــي مغمور، ان ينضم بسهولة وبســـرعة الصــاروخ الى قائمة المشـــاهير.
فبعض النــاس، عندهم اعتقاد راسخ، بأن الصحافيين، مخلوقات ثقافية قوية، لديها المعرفة والقدرة في الوصول الى اماكـــن ومراكز، لا تتاح للناس العاديين، وان مجرد تواجدهم احياناً، يؤثر في مسار الاحداث، وهذه الفكرة متخيلة ولعب الصحافيون دوراً مركزياً في تكريسها والتأكيد عليها.
لأن جيريمي تونستال، عميد اساتذة علم الاجتماع الاعلامي، شكك في كتابه: سلطة الصحف (1996) بأن غبار النجوميـة العــــابر والمحـــدود، يشبع طمـــوح الصحـافيين، وشبه العاملين في الصحافة بالمحترفين في الرياضة، فهناك فئة صغيرة من النجوم الحقيقيين، واخرى كبيرة وزائدة عن الحاجة، متلهفة الى الشهرة والثروة والنجومية بصورة هيستيرية.
طبعـــاً صـــورة الصحافي الانتهازي، لا يمكن ان تكون قاعدة، رغم وجودها العربي اللافت..
والمشكلة كما يقول توم غولدستن في كتابه: الاخبار بأي ثمن (1985) عدم وجد نظام واضح للتخلص من غيـر المؤهلين او الانتهازيين، وهم أساؤوا للمهنة في بريطانيا، كما يؤكد استطلاع، حول اكثر الوظائف احتراماً في بريطانيا، قامت به « موراي» اكبر مؤسسة ابحاث مستقلة في المملكة المتحدة، وضع الصحافة في المرتبة الثالثة والثلاثين بعد عضوية البرلمان.
الصحافة لم تكـن مهنـــة مرغــوبة او صاحبة كاريزما خاصة، قبل ستينات القرن الماضي، وقيام المدرسة الجديدة للصحافة، التي بدأها في امريكا، توم وولف مع كلاي فيلكر، مؤسس مجلـــة نيويورك تايمز في عام 1968، ثم صحافة التحقيقات السياسية الجريئة، للامريكي كــارل بيرنشتـــــاين وزميــله بـــوب وودوارد، فى الواشنطن بوست، وتحديداً فضيحــــة واتــر غيت، للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون.
ما زاد بالتالــي الاقبال على الصحافة، ورفع الطلب على تخصصاتها في امريكا، ليصل الى اكثر من واحد وتسعين ألفاً في عام 1982، بعد ان كان سبعة وثلاثين الف طالب تقريباً في 1971.
المثال الآخر لقياس الفارق، قيام خمسمائة وثمانية وخمسين صحافياً، بتغطية احتفالات انزال النورماندي في عــام 1944، مقارنة باربعة آلاف في عام 1996، وحسب احصاءات عام 2000، فإن ثلاثين الف رجل وامرأة، على أقل تقدير، يعملون بنظام التفرغ الكامل في المؤسسات الاعلامية البريطانية، وكان العدد في 1928 سبعة آلاف.
قرأت في دراسـة، بأن الصورة النموذجية، للصحــافي البريطاني، تقول انه رجل او امرأة، في السادسة والثلاثين، يميل الى الجنس الآخر، ابيض، بروتستانتي، خريج جامعة، يستمع الى راديو فور، ويقرأ جريدة ديلي تيلغراف او الغارديان، يقيـــم في لنــدن او قريباً منها، يصوت لحــزب العمال، لا يدخن، يشرب باعتدال، له شريك او شريكة، ليس له اطفال غالباً ودخله اكبر ممن يقول انهم مساوون له في المستوى الاجتماعي، واسأل كيف يمكن ان تكون الصورة النموذجية للصحافي السعودي بالمقارنة....؟
binsaudb@ yahoo.com